اهتمام الحكومات بحياة شعوبها بات أمرًا ضروريًا

جوزيف دانا

AFP Photo: Sam Panthaky

في مارس، أعلن “أندرو كومو”، حاكم ولاية نيويورك، أن ولايته تضع في اعتبارها قيمة حياة السكان والتي لا تقدر بثمن وذلك عند التفكير في طريقة إعادة فتح الاقتصاد وتوقيت ذلك. وجاء هذا التصريح خلال إحدى تصريحاته اليومية العامة حول جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، وهي ذات الفكرة التي يتبناها قادة جميع دول العالم. ومع ذلك، يبدو أن هذا النوع من التصريحات الرحيمة في ظاهرها تطلعنا أكثر على الاعتقاد الشخصي لقائلها وليس عملية رسم السياسات من جانب هؤلاء السياسيون. وبينما يرى “كومو” أن الفروق الحسابية كانت واضحة بين الاقتصاد والحياة – فلا يمكن لنا حساب هذا الفارق “لأن الحياة لا تقدر بثمن”، وإنها نفيسة – وهذا للأسف، غير صحيح.

إن الحكومات والشركات الخاصة وحتى المحاكم في جميع أنحاء العالم دائمًا ما تكيل حياة الإنسان بالقيمة المادية. وبينما تسلط أزمة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” الضوء على هذا النقاش الملح، فيبدو أن الفيروس لن يشكل أي تغيير حقيقي على كيفية فهمنا لهذه المعضلة الأخلاقية.

ولنبدأ بالحقائق. لا تنفق الحكومات كل الموارد المتاحة على الرعاية الصحية من أجل إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح. ويتضح ذلك بشكل صادم إذا ما نظرنا إلى حالة أنظمة الرعاية الصحية خلال هذه الجائحة. كما أن الحكومات لم تصنع سيارات بها أقصى معايير السلامة لأن تكلفتها باهظة. وبشكل أكثر تحديدًا، ووفقًا لخبير الاقتصاد الصحي “هوارد ستيفن فريدمان”، تقدر حكومة الولايات المتحدة حاليًا حياة الفرد بحوالي عشرة “10” ملايين دولار أمريكي، بغض النظر عن العمر أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية. وبدون مثل هذه العملية الحسابية، سيكون من الصعب تحديد الحسابات الاكتوارية. وفي كتابه القادم، “السعر النهائي: القيمة التي نحددها للحياة” ، يشير فريدمان إلى أن “بطاقات الأسعار”، والأساليب المستخدمة لتطويرها، هي انعكاس لقيمنا كمجتمع، وأن تلك البطاقات تتأثر كثيرًا بالاقتصاد والأخلاق والدين وحقوق الإنسان والقانون”.

وتتأثر تلك الحسابات أيضًا بأخلاقيات العلوم والطب. ويجب الأخذ في الاعتبار القضايا الأخلاقية التي تواجه العلماء والأطباء الذين يبذلون قصارى جهدهم للتغلب على هذه الجائحة. وفي تغريدة له على تويتر مؤخرًا، قال “فرانسوا بالوكس”، مدير المعهد الجيني في جامعة كوليدج كوليدج لندن، إن علم وبائيات الأمراض المعدية يتعلق بتقليص عدد الوفيات، وذلك في ضوء الموارد المتاحة. وكتب، “إنها لعبة أرقام، وليست لعبة جميلة أو مريحة دومًا”.

فهل من الأفضل إنقاذ شخصًا يبلغ من العمر 21 عامًا وبصحة جيدة، أم شخصًا ذو “80” عامًا ويعاني من تاريخ مرضي؟. ولإجراء هذه العملية الحسابية، يلزم التعرف جيدًا على سعر الحياة والعائد الاقتصادي المحتمل من إطالة تلك الحياة. وفي حين أن سياسيًا مثل “كومو” يجد شعبيته ستزداد عندما يقول بأنه لا يمكن أن يقدر الحياة بالمال، فالواقع يشير إلى أننا سنفعل ذلك وسنستمر فيه، لأنه إذا لم نلجأ إلى الاقتراع بالعملة لاتخاذ مثل تلك القرارات – وتركنا الأمر للصدفة – فإننا نحسب التكاليف والفوائد بشكل واضح، ونخرج بنتيجة، وهي الثمن، حتى لو لم نعترف بذلك صراحة.

وسيتضح الأمر أكثر مع انتشار الفيروس في جميع أنحاء العالم النامي. ولا غرابة في أن حياة الأشخاص في الغرب أثمن بشكل عام من حياة الأشخاص في العالم النامي، وهو ما يدعو للخزي والسخرية. وهكذا، نجد أن الفشل هو مصير جميع النقاشات بخصوص الطبيعة العالمية لجائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، والجهود الدولية المبذولة لاحتوائها، ومساعدة المتضررين منها في العالم النامي – وهو انعكاس لحسابات التكلفة.

ولذا، وبالرغم من الخطابات الرنانة التي يطلقها الكثيرون حول عدم المخاطرة بالأرواح لإنقاذ الاقتصاد، فكيف للحكومات أن تفهم أن حياة الإنسان يجب أن تكون شغلها الشاغل.

وفي الهند، ثاني دول العالم من حيث عدد السكان، وواحدة من أسرع الاقتصادات النامية، فرضت الحكومة إغلاقًا تامًا وصارمًا في 24 مارس. وفجأة، فقد مئات الآلاف من الأشخاص – وبالأخص أولئك الذين هاجروا من الريف إلى المدينة – مصدر رزقهم. وبات الناس يتضورون جوعًا حرفيًا حتى الموت نتيجة الإغلاق المستمر. وسواء نشرت الحكومة بالفعل التحليل الاكتواري أم لا، فالنتيجة هي أن البعض فقدوا أرواحهم لإنقاذ غيرهم.

ومن المفيد أيضًا تتبع أسلوب دولة جنوب أفريقيا في التعامل مع الجائحة. وفي أواخر مارس، فرض الرئيس الجنوب أفريقي، “سيريل رامافوزا” واحدة من أكثر عمليات الإغلاق صرامة في العالم. وعلى الرغم من كون جنوب أفريقيا واحدة من أكثر الاقتصادات هشاشة في العالم النامي، إلا أن البلاد مددت فترة الإغلاق حتى نهاية أبريل لحماية حياة الإنسان والاستعداد لموجة من العدوى.

وقبل تفشي الجائحة، كان عدد المواطنين في جنوب أفريقيا ممن يعيشون بالكاد على أجور الكفاف مرتفعاً بالفعل. واليوم، يجد هؤلاء صعوبة في العثور عل عمل. ولذلك، ما كان المقصود به حمايتهم هو في الواقع ما يسبب لهم مشقة أكبر. ومع تخفيف الحظر، يستخدم “رامافوزا” الأزمة لتوطيد السلطة وسن تشريع سبق أن حظرته أحزاب المعارضة. وبعبارة أخرى، ما هي تكلفة الأرواح مقابل كل تشريع؟

إن هذا الحديث الرافض لوضع ثمن للحياة هو مجرد خيال، فالمجتمع المدني سيكون أفضل إذا اعترف السياسيون بذلك، وكان ثمة نقاش متكامل حول السياسة في وقت كان فيه الموت بسبب الطاعون يلاحق العالم.

 

“جوزيف دانا”، يقيم في دولة جنوب أفريقيا ودول الشرق الأوسط، ويعمل كبير محرري “emerge85″، أحد المختبرات التي تستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.