تطبيق “ضريبة مسجد” في ألمانيا لزيادة ارتباط أتباع الدين الإسلامي بالدولة – والبعد أكثر عن العواصم الأجنبية

فيصل اليافعي

منذ القرن التاسع عشر، يدفع الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا ضرائب تسمى “ضرائب كنيسة” وذلك لتمويل الكنائس والمدارس التي تدرس عقائدهم. والآن، يفكر الساسة في أكبر دولة أوروبية في التوسع في خطة الضرائب لتشمل المسلمين من أجل تقليص نفوذ البلدان الأجنبية وتشجيع نمو “الإسلام في ألمانيا”.

وستطبق ألمانيا “ضريبة مسجد” على غرار “ضريبة الكنيسة” والتي يدفعها الآن أكثر من نصف سكان ألمانيا، وتجمعها الدولة من خلال نظام الضرائب، ويتم توزيعها على المؤسسات المسيحية واليهودية. وتبلغ قيمة ضريبة الكنيسة في الوقت الحالي حوالى “8-9%” من راتب الفرد.

والهدف من هذا المقترح، والذي يسعي لكسب تأييد أحزاب اليمين واليسار، هو زيادة ارتباط أتباع الدين الإسلامي بدولة ألمانيا، والبعد أكثر عن العاصمة الأجنبية والعواصم الأجنبية، ويستلزم هذا الأمر المقايضة، فعندما يتوقف المسلمون في ألمانيا عن الإنصات إلى العواصم الأجنبية، فسيتقربون أكثر إلى برلين. وهناك قانون لمنع التأثير الخارجي على المسلمين وبموجبه سيحصل المسلمون على حرية أكبر في ألمانيا.

وبسبب مردود هذه الفكرة على المسلمين في أوروبا، تبقى أساس فكرة تطبيق “ضريبة مسجد” هي السياسة وليس الدين. ويبلغ تعداد المسلمين في ألمانيا حوالى خمسة “5” ملايين مسلم، أي “6%” من تعداد سكان الدولة، وينحدر الأغلبية العظمى من هؤلاء المسلمون إلى الأصول التركية. ويشعر الساسة في ألمانيا بقلق متزايد بسبب التأثير الخارجي على المجتمع المسلم، ولو بشكل جزئي في صورة تمويل المساجد من المملكة العربية السعودية، أو بشكل أساسي في صورة قدرة أنقرة على التأثير على المجتمع الألماني ذي الأصول التركية، وبالأخص عندما تبنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي يشغل منصب الرئاسة منذ مدة طويلة، أسلوب أكثر صدامًا مع القوى الأوروبية.

وفي خضم هذا القلق، هناك الاتحاد الإسلامي التركي للشئون الدينية ومقره مدينة “كولونيا” الألمانية، حيث يمول هذا الاتحاد قرابة الـ”900″ مسجد في أنحاء ألمانيا. ويتلقى هذا الاتحاد تبرعات مالية من الحكومة الألمانية، وتتولى دائرة الشئون الإسلامية التركية مسؤولية إرسال أئمة لتلك المساجد، فضلاً عن دفع رواتبهم. وبموجب تلك الروابط الوثيقة، تمارس تركيا سياسة القوى الناعمة على المجتمعات الإسلامية المنتشرة في أنحاء ألمانيا.

وللحد من هذا النفوذ، والمخاوف من ترويج بعض المساجد للأفكار الأصولية، بدأ السياسيون الألمان في التفكير في فرض ضريبة على المساجد. والهدف من تلك الضريبة هو أنها ستعمل على تطوير الإسلام في ألمانيا أكثر فأكثر، والحد من تأثير الخارج، والتركيز على مخاوف المسلمين بشأن حياتهم اليومية في ألمانيا، وليس مشاكل “العودة إلى بلادهم”.

ويثير الأئمة المدربون في تركيا، ويتحدثون اللغة التركية، ويركزون بالضرورة على القضايا المتعلقة بتركيا – ومنها السياسات الداخلية للرئيس التركي، والحرب في سوريا، والقضية الكردية – جدلاً كبيرًا بين الألمان، المسلمين منهم وغير المسلمين. وهناك بعض التقارير التي تشير إلى أن الوافدين الجدد من العرب القادمين من سوريا والعراق لم يكترثوا بهذا الجدل، وفضلوا البحث عن وسائل أخرى للاحتفاظ بعقيدتهم والاندماج بسرعة مع المجتمع الألماني.

ومن المؤكد أن ضريبة المسجد سيكون لها القدرة على تغيير الطريقة التي يطبق بها المسلمون في ألمانيا دينهم، وسيكون لها أيضًا تداعيات أخرى غير مقصودة. وقد تجعل تلك الضريبة من المسلمين في ألمانيا أشخاص أكثر ورعًا واندماجًا في المجتمع وأكثر قدرة على التعبير عن آرائهم بحرية. ولأن تلك الضريبة تجعل الاهتمام بالمساجد يزداد بين المسلمين، فلها القدرة كذلك على زيادة اهتمام الدولة بها. وما لا يمكن تحديده بدقة هو النية الحقيقة لمن اقترح تلك الضريبة.

ولم تحظى ضريبة الكنيسة وأثرها على الحياة اليومية في ألمانيا باهتمام المسيحيين خارج ألمانيا، حيث يجب على المسيحيين الإعلان عن عقيدتهم أمام السلطات الضريبية، وبعدها تحصل تلك السلطات حوالى “10%” من رواتبهم، كما أن الانفصال عن الكنيسة مسألة شائكة ويلزم معها تقديم إعلان رسمي إلى الدولة، ولها أيضًا تداعيات خطيرة ومنها الحرمان من مراسم الزواج والدفن في الكنيسة.

وإن دل هذا كله فإنما يدل على أن ميزان القوى بين الأشخاص المسيحيين والكنائس يميل بشدة إلى الكنائس. إذا يتوجب على المسيحيين الذين لا يمارسون طقوسهم الدينية إلا بصورة متقطعة، أو يرغبون في تعميد أطفالهم أو حضور المدارس الدينية، تسليم جزء من راتبهم. وفي البلدان الأخرى، يتعين على الكنائس أن تكون أكثر تقبلاً لطوائفها الدينية، لأنه لولا التبرعات لانتهت تلك الكنائس. وهذا أحد الأسباب التي جعلت الجماعات المسيحية التقدمية في ألمانيا يعارضون دومًا ضريبة الكنيسة.

ومن خلال توضيح الفرق بين المسلمين الممارسين لشعائرهم وغير الممارسين، فقد تجد الدولة الألمانية أن أغلبية المسلمين يندرجون ضمن الفئة الأخيرة، مثلما فعلت ضريبة الكنيسة مع المجموعات المسيحية حسب قولهم.

ومن الممكن تمامًا أن تؤدي ضريبة المسجد إلى زيادة عدد الألمان المشاركين في الأنشطة الإسلامية، وزيادة عدد الحاضرين في تلك الأنشطة. وقد يرغب من يدفع “10%” من راتبه للذهاب إلى المسجد في الذهاب أكثر إلى المسجد، ويطلب من المسجد تنظيم المزيد من الأنشطة ومنها، على سبيل المثال، توفير التعاليم الدينية أو اللغات.

وقد تعمل تلك الضريبة أيضًا على تقريب وجهات النظر بين المؤسسات الإسلامية والمساجد وبين الدولة. وفي تلك اللحظة، تكون المنظمات كالمؤسسات غير الحكومية. ولكن في حالة تطبيق ضريبة المسجد، فقد تتقدم تلك المؤسسات غير الحكومية بطلب لتكون مؤسسات حكومية شأنها في ذلك شأن الكنائس المسيحية، وهو ما يمهد الطريق أمام تلك المؤسسات لامتلاك الأراضي وإبرام عقود مع الشركات والكيانات الحكومية فضلاً عن احتواء المساجد والدولة معًا.

ومن ثم فإن تطبيق أي ضريبة مسجد يستلزم المقايضة، وهي الحد من التأثير الخارجي على المسلمين في ألمانيا وفي الوقت ذاته زيادة التأثير الداخلي عليهم. وعندما يتوقف المسلمون ذوي الأصول التركية عن الاستماع إلى الخطب التي تتناول سياسات إسطنبول، والبدء في دفع الأموال لسماع خطب عن برلين، فإنهم في المقابل، قد يطلبون من برلين أن تنصت إليهم. وتريد ألمانيا من مسلميها التوقف عن الاستماع إلى العواصم الخارجية. وبالتالي، فإن ضريبة المسجد ستجبر العاصمة الألمانية على البدء في الإنصات أكثر إلى المسلمين.

AFP PHOTO/PATRIK STOLLARZ