الاقتصاد الجغرافي هو ما سيحرك تحالف (آي 2 يو 2) وليس الجغرافيا السياسية

أفشين مولافي

Image courtesy of Mandel Ngan / AFP

عندما جلس الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد أمام شاشة كبيرة في أحد فنادق القدس الشهر الماضي، بدا الأمر كما لو أنه بداية مؤتمر تلفزيوني عادي لفترة ما بعد الجائحة، ولكن على الطرف الآخر من الخط كان هناك زعيمان دوليان آخران، وهما الرئيس محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث أطلقوا معًا تحالفًا جديدًا متعدد الأطراف تجاوز الحدود التقليدية والإقليمية والجيوسياسية.

وتم تسمية التحالف بـ I2U2 (آي 2 يو 2) حيث تمثل إسرائيل والهند I’s ، والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة U’s، ويعكس ذلك التشكيل اتجاهًا جديدًا للتحالفات العابرة للأقاليم، وتركز تلك التحالفات على أهداف كثيرة من الأمن إلى الاقتصاد، وتتجاوز البنية المؤسسية لما بعد الحرب العالمية الثانية. وأبرز تلك التحالفات هي التحالفات الأمنية مثل (الحوار الأمني الرباعي) التي يجمع الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان، وهي الدول التي تملك مصالح مشتركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو التحالف الأخير والمسمى AUKUS (أوكوس) الذي يجمع أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، والذي تعهد بتعاون أمني ودفاعي واسع مع التركيز على الصين.

وتشمل بعض تلك التحالفات دول الشرق الأوسط، مثل (منتدى غاز شرق المتوسط) الذي يضم قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين، ومنتدى النقب الذي يضم البحرين ومصر وإسرائيل والمغرب والإمارات والولايات المتحدة، وهناك أيضاً اتفاقيات أبراهام في عام 2020 التي طبعت العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وبعد ذلك، ازدهرت العلاقات التجارية بين الإمارات وإسرائيل حيث بلغت التجارة الثنائية مليار دولار في الربع الأول من عام 2022.

وقد ولد تحالف (آي 2 يو 2) الممتد من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى بحر العرب والمحيط الهندي في خضم رياح التغيير التي عصفت بالعالم بالتزامن مع اتفاقيات أبراهام، وفي ظل التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ومع الإدراك العالمي الذي خلقه الوباء بأن أكثر المشاكل صعوبة من انعدام الأمن الغذائي إلى النمو الاقتصادي تتطلب حلولاً عالمية.

وليس المغزى من تشكيل (مجموعة آي 2 يو 2) هو ردة فعل للتوترات بين الولايات المتحدة والصين فقط، ففي الواقع تعكس (مجموعة آي 2 يو 2) مثلها مثل المجموعات الأخرى التي تم الإعلان عنها مؤخرًا عنصر إضفاء الطابع المؤسسي على تحالف اقتصادي والذي كان في طور التشكيل.

وحسب حساباتي حول العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء، واستنادًا إلى أرقام صندوق النقد الدولي لعام 2021، فقد وصلت التجارة بين الدول الأربع إلى ما يقرب من 400 مليار دولار، وتوجد بالفعل علاقات تجارية مزدهرة بين الإمارات والهند، وكذلك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وتتصدر الهند القائمة كأكبر متداول مع الدول الثلاث الأخرى، بقيمة 188 مليار دولار،  ويميل ذلك التداول بشكل كبير نحو الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بحوالي 167 مليار دولار في التجارة مع الدول الأخرى، وهو رقم قد يشهد نموا كبيرا بالنظر إلى الملف التجاري للولايات المتحدة الذي يقارب 5 تريليون دولار، أما بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فإن علاقاتها التجارية مع الهند عميقة وتاريخية، وعلاقاتها التجارية مع إسرائيل في طور النمو السريع، كما لا يزال لدى إسرائيل مجال كبير لتعزيز التجارة مع كل من الإمارات والهند.

ويمكن أن تكون الشراكة الاقتصادية بين الإمارات والهند بمثابة حجر الأساس لهذه المجموعة الجديدة، فالإمارات العربية المتحدة هي دولة صغيرة ويبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، وتمثل الوجهة الثانية للتصدير للهند، حيث تتدفق البضائع بنحو 25 مليار دولار من عملاق جنوب آسيا إلى الدولة الخليجية العربية، وفي الجانب الإماراتي، تعد الهند الوجهة الأولى للصادرات الإماراتية، حيث تبلغ قيمة الصادرات حوالي 43 مليار دولار.

وأصبحت مطارات الإمارات العربية المتحدة أيضًا بوابة الهند إلى العالم، حيث تمثل وجهة أساسية رئيسية ومحور ربط للمسافرين أيضًا، وقبل الجائحة وصل ثلث جميع الرحلات الجوية الدولية التي هبطت في الهند من دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتعد الإمارات العربية المتحدة أيضًا نقطة جذب للمهنيين والعمال الهنود، حيث تدفق حوالي 15 مليار دولار من التحويلات المالية من الإمارات العربية المتحدة إلى الهند في السنة المالية 2020-2021، ووقعت الإمارات العربية المتحدة والهند مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة طموحة تسعى إلى مضاعفة علاقاتهما التجارية المتنامية.

ولذلك عندما أعلنت (مجموعة آي 2 يو 2) في اجتماعها الأول عن مبادرة طموحة للأمن الغذائي تستثمر فيها الإمارات ملياري دولار لتطوير سلسلة من مزارع الطعام في الهند بمساعدة أمريكية وإسرائيلية للتعامل مع انعدام الأمن الغذائي العالمي، فإن ما بدا وكأنه مشروع جديد كان في الواقع مشروع أعيد تقديمه من الاتفاقيات السابقة بين الهند والإمارات العربية المتحدة.

كما نمت العلاقة بين إسرائيل والهند خلال العقد الماضي، حيث تعتبر إسرائيل مورداً رئيسياً للأسلحة إلى الهند، وقد شاركت الشركات الإسرائيلية على نطاق واسع في قضايا إدارة المياه لتعزيز قطاع الزراعة في الهند، ووفقًا لأرقام صندوق النقد الدولي، تعتبر الهند ثالث أكبر وجهة تصدير لإسرائيل، وحصلت شركة هندية مؤخرا على عقد لإدارة محطة رئيسية في ميناء حيفا الإسرائيلي.

وتمثل (مجموعة آي 2 يو 2) بالنسبة لصانعي السياسة في الولايات المتحدة فرصة فريدة، حيث تملك الدول الثلاث الأخرى علاقات تجارية وتكنولوجية واستثمارية تاريخية (الهند والإمارات العربية المتحدة) أو تتمتع بعلاقات سريعة النمو (إسرائيل والهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة). ومن الواضح أن الثلاثة لديهم الدافع لتسريع تلك العلاقات، لكن لدى الدول الأربع وجهة نظر مختلفة حول رؤيتهم للعالم، وسواء تعلق الأمر بالصين أو إيران أو الحرب الروسية في أوكرانيا، فمن المحتمل أن يتوقف الحماس والإجماع في (مجموعة آي 2 يو 2) إذا سعت واشنطن إلى استخدام المجموعة لتحقيق غايات جيوسياسية، فهناك أماكن أخرى لتحقيق ذلك النوع من الغايات.

ومن ناحية أخرى، إذا اعتبر السياسيون في واشنطن والدول الأعضاء (مجموعة آي 2 يو 2) على أنها وسيلة للمساهمة وتعزيز وتسريع التعاون التجاري القائم بالفعل بينهم مع إضافة البعد الحكومي إلى العملية، فسيكون لـ (مجموعة آي 2 يو 2) مستقبل باهر، بل قد تطلب دول أخرى الانضمام إلى المجموعة.

 

أفشين مولافي هو زميل فخري في معهد السياسة الخارجية بكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ومحرر ومؤسس النشرة الإخبارية للعالم الناشئ.

 @AfshinMolavi