الجيل “”زد” هو محور معركة الأفكار في الشرق الأوسط

Burcu Ozcelik

شهدت جامعة “البوسفور” في اسطنبول الشهر الماضي اعتقالات خلال معرض الفن للطلاب- وهو المكان الوحيد الذي شهد احتجاجات على تعيين الحكومة لشخص ما في رئاسة الجامعة. وتم اعتقال الطلاب بسبب التحريض على الكراهية وإهانة القيم الدينية بسبب ملصق يصور أقدس مواقع الإسلام إلى جانب أعلام مجتمع “الميم”. ودافع الكثيرون، بمن فيهم المسلمون المتدينون، عن الفن باعتباره حالة من حالات حرية التعبير (حتى وإن اعترفوا بأنه أزعج بعض المسلمين). وغرد هؤلاء المسلمون قائلين بأن “حقوق المثليين هي حقوق إنسان”. وسرعان ما أدانت الحكومة الفنانين ووصفتهم بتجمع متنافر من غير الأخلاقيين والدمى الغربية التي تسعى لتقويض المجتمع التركي المحافظ اجتماعيا. ولكن هذا التجمع لم ينجح في إثارة الغضب الشعبي العارم الذي سعى إليه، والسبب هو أن ثمة جدال حاد بين تركيا والشرق الأوسط الكبير حول أساسيات السياسة والأخلاق التي يمكن أن تعيد صياغة الثنائية القائمة وهما العلمانية والإسلاموية. ورغم ذلك، لايزال من غير المعروف مدى نجاح هذا الجدال في ضوء التعقيد الكامن وراء قطبي السياسة الإقليمية.

وقد أدى صعود الأفكار السياسية الدينية في العقود الأخيرة، مثل القومية الإسلامية الشائعة في تركيا، إلى إثارة نقاشات حول استمرار دور العلمانية وأهميتها. وعلى الرغم من انتشار الروايات المبسطة في كل مكان، فإن العلمانية في الشرق الأوسط لا تتبع قواعد صارمة. ومن المعروف على نطاق واسع أن العلمانية هي فصل الدين عن الشخصية الاعتبارية للدولة، وهو ما يعني ضمنيًا أن مسائل الأحوال الشخصية، مثل قوانين الزواج والميراث، يجب أن تحكمها “الدنيوية” وليس الشريعة. في الواقع، لم يكن ثمة نموذج واحد للعلمانية يناسب الجميع وقابل للتطبيق عالميًا – وبدون صعوبة – في جميع أنحاء المنطقة.

وفي السياق الأوروبي المعاصر، تبدو العلمانية مختلفة تمامًا عن تلك الموجودة في أجزاء من الشرق الأوسط حيث الأفكار العلمانية دليلاً على هوية الدولة. ويرى الكثيرون أن العلمانية في فرنسا تكرارًا مفرطًا للفصل بين الكنيسة والدولة، ويقع عليها اللوم لكونها معقلًا للتعصب بسبب بريق التقدم الليبرالي المتطرف. وربما لا يوجد مكان أكثر من فرنسا تكون فيه العلمانية صارمة وغير آسفة على موقفها المناهض للتعبير العلني عن الإيمان الشخصي.

وفي الشرق الأوسط، هناك بصمات للعلمانية والإسلاموية في تاريخ دولٍ مثل تركيا والجزائر والعراق ولبنان ومصر. لقد أدى التنقل بين القانون الدستوري والقومية والسياسة الإسلامية إلى ظهور أنظمة سياسية هجينة تتداخل فيها المؤسسات والأيديولوجيات المتنافسة وتتشابك. ويقع الأشخاص من خارج الشروق الأوسط في حيرة من أمرهم بسبب النقاشات الدائرة عن العلمانية، لكنها جزء من قصة أكبر حول قدرة أفكار معينة على مساعدة الناس للتغلب على مخاوفهم من التغيير.

وعندما تفككت الخلافة الإسلامية التي حكمت الرعايا العثمانيين منذ القرن الرابع عشر على يد مصطفى كمال أتاتورك، انعكست توابع هذا الأمر إلى حدود تركيا الجديدة عبر جيرانها ذوي الأغلبية المسلمة. ومنذ ذلك الحين، بات غموض الدور العام للإسلام سببًا في إثارة التوتر بين الدولة والمجتمع، وبين الدين والسياسة، وهو توتر دائم التقلب في تركيا.

وجاء حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي يتولى السلطة منذ عام 2002، إلى السلطة في أعقاب ثلاثة أجيال من الأحزاب السياسية الإسلامية المحظورة والتي اختارت مسار مواجهة الدولة والتكيف معها في لعبة الداروينية السياسية. وطور حزب العدالة والتنمية نفسه من خلال التوليف والتعديل الانتقائي للمبادئ الأساسية للسياسات المحافظة لحزب وسط اليمين، وفي الإسلام السياسي التقليدي، والنيوليبرالية.

وبنظرة خاطفة على تاريخ تركيا الحديث يتضح لنا مدى تأرجح توجه الدولة من العلمانية الصارمة إلى القومية الإسلامية في السنوات الأخيرة. وفي الواقع، نجد أن حزب العدالة والتنمية يتصرف بحكمة بالغة، ويقدر جيدًا المشاعر القوية المؤيدة لأتاتورك لدى جزء كبير من الناخبين حتى في الوقت الذي تبني فيه الدولة حالة أخلاقية لجيل جديد مفعم بالدين. ويمزج الحزب المحافظ ببراعة بين القومية والدين وثوابت العلمانية، وبالأخص في أوقات الأزمات الوطنية عندما يبدو أن الأسبقية التاريخية والشخصية البارزة لأتاتورك هي سبيلاً للمصالحة.

ورغم كل هذا، أين التدين؟. وبالاستناد في المقام الأول إلى نتائج الباروميتر العربي لعام 2019، وهو استطلاع سنوي شامل يتضمن المشاركين من جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ظهرت العديد من التوقعات حول تراجع دور الدين لدى الجيل “زد” حول العالم. وفقًا للاستطلاع، ارتفعت نسبة المشاركين الذين وصفوا أنفسهم بأنهم “غير متدينين” من “8%” إلى “13%” في عام واحد، وكانت الإجابة الأكثر إثارة من المشاركين دون سن الثلاثين، وخاصة في تونس وليبيا والجزائر. وبالمثل، هناك عزوف متزايد عن الدين في أوساط الشباب في تركيا، ويصفون أنفسهم بأنهم ملحدون أو ربوبيون.

وفي الشرق الأوسط العربي، ظهرت العلمانية في كثيرٍ ممن الأحيان كهيكل سياسي بديل لمواجهة تيار الطائفية الذي أصبح ظاهرة سياسية مهيمنة. وفي لبنان، هناك شبه إجماع على فشل النظام الطائفي الذي يقسم السلطة بين مختلف الطوائف الدينية. ومنذ استقلاله في عام 1943، يشترط النظام الطائفي في لبنان أن يكون الرئيس مسيحياً مارونياً ورئيس وزرائه مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان مسلم شيعي. وعلى الرغم من استمرار مشاكل السياسات الطائفية – مثل الجمود في عملية اتخاذ القرار، والافتقار الشديد في توفير الخدمات الأساسية، والمجتمعات المنقسمة – فإن البديل بعيد المنال.

وفي عام 2010، نظم القائمون على “العلمانيون نحو المواطنة”، وهي جماعة علمانية، مسيرة في بيروت للمطالبة بالإصلاحات، ولكنهم فشلوا في التأثير على النقاش السياسي الحقيقي الممتد لسنوات. وفي أغسطس/آب الماضي، أدرك الرئيس اللبناني “ميشال عون” الحاجة إلى “تغيير النظام”، وطالب بإعلان الدولة “دولة علمانية” لأن “شباب لبنان يطالب بالتغيير”. ومع ذلك، من الصعوبة بمكان تخيل كيفية حدوث ذلك، إذا ما حدث.

ويمكن القول إن فشل العلمانية في السيطرة أدى إلى تراجع الجماعات عن الولاءات البدائية والانعزالية الهدامة. ويسعى جيل “زد”، المستاء من فشل الأحزاب الإسلامية في مواكبة دعواتها لإصلاح الوضع الراهن، إلى تشكيل بنية سياسية بديلة. ومهما كانت المسميات، علمانية أو مدنية أو ليبرالية، فالنتيجة المرجوة واحدة، وهي: عدم انتهاك حقوق الإنسان واحترام كرامته. والجزء الصعب فعليًا هو بناء مثل هذه المؤسسات وتطويرها. وإلا فإننا سنعود إلى نقطة الصفر.

بيركو أوشليك، زميل باحث ومحاضر منتسب في جامعة كامبريدج.