على دول مجلس التعاون الخليجي أن تسعى لإقامة علاقات قوية مع جنوب آسيا، على الرغم من استمرار التعاون مع الصين

حسن الحسن

على الرغم من مرور فترة طويلة من الانفصال الدبلوماسي خلال الحرب الباردة، إلا أن علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع الصين أصبحت خلال السنوات الحالية نقطة محورية فيما يخُص سياسات تلك الدول تجاه قارة آسيا، وعلى الرغم من أن تركيز دول مجلس التعاون الخليجي على الصين يعكس حالة القوة المتصاعدة ووضع تلك الدولة التي باتت أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها تغطي اتجاهات محددة طويلة الأمد تجعل من دول جنوب آسيا شريكًا استراتيجيا أساسيًا لدول مجلس التعاون الخليجي.

وخلال السنوات الأخيرة؛ قامت دول مجلس التعاون الخليجي بتوجيه الكثير من نشاطها الدبلوماسي الآسيوي إلى الصين، وفي أغسطس من العام 2016 قام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بزيارة للصين من أجل استكشاف الفرص التي من الممكن أن تحظى بها المملكة من خلال مشروع “الحزام والطريق”، وأتبع ذلك زيارة الملك سلمان إلى الصين في مارس، تلك الزيارة التي شهدت توقيع عقود صفقات تساوي 65 مليار دولار، ومؤخرًا ظهر أمير الكويت في العاصمة بكين خلال شهر يوليو، للإعلان عن تأسيس “شراكة استراتيجية”، وتم التوقيع على اتفاقية تقوم الصين بمقتضاها بتطوير الجزر الكويتية الهامه الواقعة شمال الكويت، وقامت دولة الإمارات العربية المتحدة بتعيين مبعوث خاص إلى الصين، وقامت بتطوير العلاقات مع الصين لتصل لمرحلة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ للإمارات في يوليو 2018.

وفي المقابل؛ كان هناك تراجُعًا في العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين الهند وباقي دول جنوب آسيا، وقام رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” بعمل أربع زيارات منفصلة إلى المنطقة منذ العام 2015، حيث قام بزيارة الرياض وأبو ظبي (مرتين) والدوحة، وعلى الرغم من ذلك فلم يزورنيودلهي أي من قادة مجلس التعاون الخليجي باستثناء الأمير محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي.

وقد أدّى الإهمال النسبي الذي تمارسه دول مجلس التعاون الخليجي تجاه دول جنوب آسيا إلى تناسي الاتجاهات أو المؤشرات التي تضع دول جنوب آسيا في موقف الشريك الاستراتيجي الحقيقي لدول مجلس التعاون على المدى الطويل، وفيما يخُص الجانب الاقتصادي بدأت دول جنوب آسيا في تخطّي باقي دول آسيا والمحيط الهادئ فيما يتعلّق بالناتج القومي، وهي العملية التي من المُتوقّع أن تستمر على مدار العقود القادمة، وفي العام 2017 أطلق “بنك التنمية الآسيوي” تقديرات بوصول الناتج القومي الخاص بدول جنوب آسيا إلى 7%، وهي النسبة التي من المُتوقّع أن تحافظ عليها تلك الدول على المدى المتوسط، وذلك وفقًا لتقديرات البنك الدولي، وفي المقابل فإن معدل النمو الصيني قد شهد انخفاضًا، ومن المتوقع أن يقل الناتج القومي الصيني عن 6% على مدار الأعوام العشرة القادمة، وذلك وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي.

والصين تستثمر الكثير من الأموال في مجال تكنولوجيا الطاقة النظيفة، وهي أكبر دولة في العالم فيما يخُص الإنفاق على الطاقة النظيفة، والصين وفقًا لمجلة إيكونوميست تتخطّى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مجتمعين في مجال الإنفاق على الطاقة النظيفة، فالنمو الاقتصادي المستقبلي للصين سيجعل لديها طلبًا على الوقود الحفري (التقليدي)، وعلى العكس فإن الهند من المقرر لها أن تكون بمثابة الدافع الأهم لزيادة الطلب على النفط بدءًا من العام 2025، وذلك وفقًا لتقرير توقعات الطاقة العالمية الصادر في العام 2017 عن وكالة الطاقة الدولية، وبناء عليه، فقد باتت الهند وليست الصين، بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، هي المصدر الرئيسي لزيادة الطلب على النفط خلال الأعوام القادمة.

وبالنظر للجاليات الضخمة التابعة لدول جنوب آسيا، والتي بلغت في العام 2012 (9.5 مليون نسمة)، فقد وصل عدد الجالية الهندية وحدها في منطقة الخليج العام الماضي 8.7 مليون نسمة، ودول جنوب آسيا لها مصلحة جوهرية فيما يخُص استقرار دول مجلس التعاون الخليجي، وهؤلاء المهاجرين الهنود، وأغلبهم من العمالة قليلة المهارة، يعتبرون مصدرًا هامًا لتحويلات العملات الأجنبية التي تصل إلى بلادهم، وفي العام 2017 أرسل الهنود الذين يعيشون في منطقة الخليج إلى بلادهم 37 مليار دولار، وهو ما يوازي نصف إجمالي التحويلات الخارجية التي وصلت إلى الهند خلال هذا العام، وبالنسبة لباقي دول جنوب آسيا فقد بلغت نسبة التحويلات القادمة من منطقة الخليج قياسًا على مجمل تحويلات كل دولة 69.7% في باكستان، 54% في بنجلاديش، 50.6% في سريلانكا.

وبخلاف المصالح الاقتصادية وتلك المتعلقة بالمهاجرين الآسيويين في منطقة الخليج، فإن القرب الجغرافي بين الخليج وبين دول جنوب آسيا سيجعل دورا هاما لبعض الدول مثل الهند وباكستان فيما يخُص أمن دول الخليج، خاصة وأن التواجد العسكري الأمريكي في منطقة الخليج يشهد انخفاضًا، لذا فإن الهند التي يشهد أسطولها تقدُمًا ملحوظًا، من الممكن لها أن تظهر مستقبلًا على انها الشريك الأمني الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي.

وغالبا مل يصف المسؤولين في الهند منطقة الخليج على أنها منطقة جارة لبلادهم، وفي الوقت ذاته فقد قامت الهند بتوقيع اتفاقيات في مجال الدفاع مع العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها سلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وعلى العكس، فإن الرؤية الاستراتيجية الصينية، والتي تمثّلت في “مبادرة الحزام والطريق”، عمدت إلى تجنُب الطرق التي تمر بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث اتخذت تلك المبادرة طريقين، الأول يمر من وسط آسيا إلى الغرب، والثاني هو الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني، وكل من الممرين ينتهي في تركيا وإيران على التوالي.

وهذا لا يعني أن تقلل دول مجلس التعاون الخليجي من تعاونها مع الصين ، فرغم كل شئ فانه يمكن للصين أن تتخطّى الولايات المتحدة وتصبح أكبر اقتصاد على مستوى العالم، خاصة وأن الصين ستصبح المستهلك الأكبر للنفط على مستوى العالم بحلول العام 2030، علاوة على ذلك، فإن النظام الصيني السلطوي ربما يساعدها على تحقيق الطموحات الاستراتيجية وأن تتكيّف مع منطقة الخليج بشكل فعال، خاصة إذا ما قورن نظام الحكم الصيني الديكتاتوري بنظيره الهندي الذي يتسم بالتعقيد في اتخاذ القرار، والطموح الصيني ربما يشمل إيجاد موطئ قدم لها في المحيط الهندي، وحيث أن تمويل الصين لعدد من مشروعات الموانئ بالقرب من مضيق هرمز ومضيق باب المندب أثار انتقاد مراقبين كونه تمهيدًا للحضور العسكري الصيني في تلك المناطق، فيمكن أيضًا لدول مجلس التعاون الخليجي أن تستفيد من العلاقات القوية مع الصين من خلال تعامُل تلك الدول مع الهند، منافس الصين، لذا يمكن لدول الخليج أن تستخدم هذا التنافس للاستفادة من التعامل مع الطرفين.

ومع ذلك، فيجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تبدأ في النظر إلى دول جنوب آسيا على أنها الشريك الاستراتيجي المرتقب على المدى الطويل، وأن أهمية تلك الدول لمنطقة الخليج ربما تساوي أو تتخطّى أهمية الصين، وبسبب الروابط الاقتصادية والجغرافية وتلك المتعلقة بالمهاجرين، فإن العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول جنوب آسيا من المتوقع أن يكون لها منافع في المستقبل، وهذه هي حقيقة واقعية.

حسن الحسن هو دكتور وباحث بجامعة كينجز كولدج لندن والجامعة الوطنية بسنغافورة، حيث كان ينصب عمله على متابعة السياسة الخارجية الهندية في منطقة الشرق الأوسط، وقبل ذلك شغل منصب كبير المحللين بمكتب النائب الأول لرئيس وزراء البحرين.

AFP PHOTO/HO/SPA