من روزفلت إلى ترامب، هناك خط مستقيم للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والفلسطينيين

جوناثان جرونال

AFP Photo: Ahmad Gharabli

منذ 75 عامًا خلال شهر فبراير، في الأيام التي كانت الحرب العالمية الثانية على وشك أن تضع أوزارها فيها، عُقِد لقاء سري بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك بن سعود، مؤسِس المملكة العربية السعودية، وكان ذلك حدثًا تاريخيًا لعدة أسباب.

انتقل بن سعود عبر بارجة حربية أمريكية من جدة إلى قناة السويس، متخذًا الخطوة الأولى لعقد تحالف مع الدولة التي ظهرت في أعقاب الحرب على أنها القوة الأولى على مستوى العالم. أما بالنسبة لفرانكلين روزفلت، فقد كانت فرصة لتأمين إمدادات النفط المستقبلية وسحق النفوذ البريطاني عبر بسط الهيمنة الأمريكية على جزء من العالم سوف يسيطر خلال فترة وجيزة بشكل شبه كامل على الاقتصاد العالمي.

لكن بالنسبة لعرب فلسطين، وبعد 75 عامًا من الإدراك المتأخر الممزوج بالمرارة، فإن هذا اللقاء كشف عن حقيقة أنه على الرغم من الحديث الجيد لروزفلت حول حق جميع البشر في تقرير المصير، فإن أمريكا ببساطة لم تكترث لمصير الفلسطينيين، ويمكن رسم خط مستقيم بين عملية التبادل التي تمت على متن السفينة الحربية يو إس إس كوينسي التي كانت ترسو على شاطئ البحيرات المُرّة في الرابع عشر من فبراير لعام 1945، وبين “خطة السلام” أحادية الجانب التي تدعو للسخرية والتي طرحتها إدارة ترامب بعد 75 عامًا.

وقد ظلت تفاصيل الحوار بين الملك وروزفلت غير معلومة، حتى قام الدبلوماسي الأمريكي الذي كان يعمل مترجمًا بين الرئيسين بنشر تقرير حول هذا اللقاء عبر نشرة إخبارية غامضة في عام 1954.

ذكر ويليام إيه إيدي ، وهو شخص يتحدث اللغة العربية بطلاقة وعمل ممثلًا للدبلوماسية الأمريكية في المملكة العربية السعودية خلال عامي 1944 و1946، أن روزفلت والملك “قد حظيا بالشهرة جنبًا إلى جنب”، حتى أثار روزفلت مسألة “إنقاذ وإعادة تأهيل المتبقين من اليهود الذين يعيشون في وسط أوروبا ويعانون من فظائع لا توصف على يد النازيين: ومنها الطرد وتدمير المنازل والتعذيب والقتل الجماعي”.

واضعًا نصب عينيه الأصوات الكثيرة لليهود خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 1944، حشد روزفلت جميع أسلحته للدفاع عن القضية الصهيونية. حيث قال روزفلت في رسالة إلى المنظمة الصهيونية الأمريكية في شهر أكتوبر من عام 1944 “أنا أعلم كيف عمل اليهود بحماس ودعوا لمدة طويلة من أجل جعل فلسطين دولة يهودية حرة ومستقلة”. وقد كان روزفلت “مقتنعًا بأن الشعب الأمريكي سيدعم تحقيق هذا الهدف، ولو تمت إعادة انتخابي سأعمل على تحويل هذا الحلم إلى واقع”.

وقد أدرك بن سعود وهو على متن السفينة كوينسي أن روزفلت يطلب دعمه من أجل الوفاء بهذا التعهد.

ووفقًا للتقرير الذي نشره إيدي، كان الملك مندهشًا. فقد قال إيدي أن اليهود وذريتهم يجب أن يحصلوا على “الأراضي الممتازة ومنازل الألمان الذين مارسوا الاضطهاد ضدهم”. وقال بن سعود لروزفلت ” هكذا نشن نحن العرب الحرب، حيث يجب أن يقدم المجرم التعويضات، لكن على ألا يدفع الأشخاص العاديين ثمن تلك التعويضات. ما الضرر الذي ألحقه العرب بيهود أوروبا؟، إن الألمان “المسيحيين” هم من سرقوا منازلهم وحياتهم، دع الألمان يسددون ثمن تلك الأخطاء”.

وقد اشتكى روزفلت من أن “الملك لم يقدم له أي نوع من أنواع الدعم من أجل حل مشكلته”، لكن بن سعود كان مُصِرًّا على رأيه. وقال روزفلت أن معسكر الحلفاء كان يضم “50 دولة، وتعد فلسطين صغيرة في ظل هذا الكم من الدول، كما أن أرضها فقيرة، وتحملت أكثر من نصيبها من اللاجئين الفارين من أوروبا”.

وفي النهاية، أعطى روزفلت لابن سعود اثنين من التأكيدات، “أنه لن يقوم بأي عمل عدائي تجاه العرب” وأن الولايات المتحدة “لن تقوم بتغيير سياستها الأساسية في فلسطين دون استشارة كل من اليهود والعرب بشكل تام ومسبق”.

وقد كرر روزفلت هذا التعهد خلال خطاب أرسله إلى بن سعود يعود تاريخه إلى الخامس من شهر إبريل لعام 1945، لكن بعدها بأسبوع توفي روزفلت. ويعود إيدي بذاكرته ليقول أن تلك المقابلة التاريخية “أصابت البيت الأبيض بخيبة الأمل لكن لم يتم الإعلان عن ذلك مُطلقًا”، وهو ما أدى إلى تشكيل السلوك الأمريكي تجاه الفلسطينيين منذ ذلك الحين.

وقد تولّى منصب الرئاسة الأمريكية بعد روزفلت نائبه هاري إس ترومان، الذي قام في شهر أكتوبر من عام 1945 باستدعاء رؤساء البعثات الدبلوماسية الأربعة من مصر ولبنان وسوريا والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى القنصل العام في فلسطين التي كانت حينها واقعة تحت الانتداب.

ووفقًا لتصريحات إيدي، فقد قام ترومان “بتلخيص موقفه بصراحة شديدة قائلًا: معذرة أيها السادة، لكنني يجب أن أستجيب لمئات الآلاف الذين يشعرون بالقلق تجاه نجاح الحركة الصهيونية ، وأنا لا أملك مئات الآلاف من الناخبين العرب “.

وأصبحت إسرائيل بعدها بقليل حقيقة واقعة، وقد حكمت بريطانيا فلسطين منذ عام 1920 بموجب تفويض الانتداب الصادر عن عصبة الأمم. وبعد حملة وحشية ضد البريطانيين قامت بها الجماعات الإرهابية الصهيونية بدأت في عام 1944؛ وحتى بعد استمرار سقوط الجنود البريطانيين في أوروبا محاولين إنهاء فترة حكم النازي الإرهابية، فقد أعلنت بريطانيا أنها لن تستطيع الاستمرار في فلسطين.

وقد انتهت حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين بحلول منتصف ليلة الرابع عشر من شهر مايو لعام 1948، وبعد ظهر ذات اليوم أعلن ديفيد بن جوريون، رئيس المجلس القومي اليهودي، قيام دولة إسرائيل. وبعدها بيوم واحد، تعرضت الدولة الوليدة للغزو من جيوش كل من مصر والأردن وسوريا، مما أدى إلى ظهور مأساة النكبة والاضطرابات الإقليمية التي استمرت حتى يومنا هذا.

والواقع أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يتحكم فيها اللوبي الصهيوني بغضّ النظر عن الرئيس القابع في البيت الأبيض، وهذا الأمر لا يتجسد فقط في النفوذ السياسي الذي تتمتع به المنظمات الصهيونية مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، لكنها تتمثل أيضًا في منظمة مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل، والتي يبلُغ عدد أعضاءها ثمانية ملايين شخص.

وبالنسبة لتلك الجماعة، فإن مسألة وجود إسرائيل تعُد بمثابة عقيدة بالنسبة لهم، وجميع أصواتهم في الانتخابات تذهب للمرشح الرئاسي الذي يدعم هذا المعتقد. وتلك هي السياسة التي عمل رؤساء الولايات المتحدة على اتباعها منذ عام 1948، وهي ذات السياسة التي يتبعها ترامب اليوم، وعلى الرغم من عشرات السنين التي شهدت فيها المنطقة أعمال العنف والمعاناة ومفاوضات السلام الفاشلة، فإن تلك السياسة تعمل دائمًا على ضمان أنه لن تكون هناك فرصة أمام الشعب الفلسطيني ومفهوم الأمة الفلسطينية من أجل النجاة.

 

جونثان جورنال، صحافي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.