انحسار التأثير الفرنسي في المغرب العربي انعكاس للتحولات العالمية

أسامة رمضاني

Image courtesy of Ludovic Marin / AFP

في وقت كانت العلاقات الفرنسية الجزائرية تبدو في تحسن، أصدر البنك المركزي الجزائري في أول نوفمبر الماضي أوراقاً نقدية جديدة تحمل كتابات بالإنجليزية إلى جانب العربية.

أثار ذلك حفيظة الساسة الفرنسيين  الذين رأوا في ذلك مؤشراً جديدا على أن الجزائر ماضية في طريق الابتعاد عن منطقة التأثير الفرنسي.

وكانت الجزائر أعلنت في يونيو الماضي عن إدراج الانجليزية في مناهج التعليم الابتدائي. وقال الرئيس عبد المجيد تبون إن “اللغة الفرنسية غنيمة حرب. ولكن الإنجليزية هي اللغة العالمية.”

وحتى المملكة المغربية، التي رسّخ إصلاحها التربوي  لسنة 2019 مكانة اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية، أعلنت خلال الأشهر الماضية عن الزيادة في عدد مدرسي اللغة الإنجليزية. وسيتم  في المستقبل تدريس المواد العلمية بالإنجليزية في المدارس الابتدائية والإعدادية. وسوف يتم امتحان درجة إتقان الطلبة الجامعيين في مستوى الإجازة والدكتوراه للإنجليزية قبل حصولهم على شهاداتهم.

ورغم عدم ارتياح فرنسا لانتشار الإنجليزية في المغرب العربي فإن هناك طلبا حقيقيا على هذه اللغة في المنطقة. فاعتباراً لما يفرضه الاقتصاد المعولم هناك حاجة لتطوير كفاءة الكوادر على صعيد اللغة الإنجليزية. وهذه الكفاءة غير متوفرة حالياً بالمستوى المطلوب في شمال إفريقيا.

ويبدو الدافع نحو تعزيز المهارة باللغة الإنجليزية شبيهاً بالدافع الذي كان يحدو قادة البلدان المغاربية بعد الاستقلال، عندما كانوا ينظرون إلى اللغة الفرنسية كوسيلة ضرورية نحو التحديث.

في نفس الوقت تجد الحكومات نفسها مدفوعة بضغط يفرضه نزوع الأجيال الصاعدة إلى اكتساب المهارة اللغوية بالإنجليزية بمجهوداتها  الذاتية وبمساعدة الانترنت وسائر منصات البث التلفزيوني الإلكتروني.

وجاء في دراسة حديثة للمجلس الثقافي البريطاني “ذي بريتش كونسل” أن 74 في المائة من الشباب المغربي يرى أن “الانتقال إلى الإنجليزية من شأنه أن يساعد على تحقيق طموح المغرب كي تصبح مركزا عالميا للأعمال والسياحة”.

ويمكن ملاحظة نفس الظاهرة تقريبا في تونس  حيث لم تدخل السلطات أية إصلاحات جوهرية لدعم مكانة الإنجليزية، ولكن لغة شكسبير استطاعت أن تجذب الشباب بشكل واضح وجلي.

ومن العوامل التي عمقت هذه الظاهرة في كامل القارة الإفريقية ضعف المحتوى المتوفر باللغة الفرنسية على شبكة الإنترنت. إذ تقول الأرقام 11 نسبة المواد بالفرنسية على الشبكة العنكبوتية لا تتجاوز 3,5 بالمائة . وتتفوق عليها  نسبة المواد المتوفرة باللغات الإنجليزية والإسبانية والصينية والعربية.

وقد انتهت قمة البلدان الناطقة بالفرنسية المنعقدة في جزيرة جربة التونسية خلال شهر نوفمبر إلى الإقرار بتقهقر مكانة اللغة الفرنسية وإن كان يتحدثها حالياً حوالي 321 مليون شخص . وكان ذلك الاعتراف مناقضاً للمواقف  السابقة المتفائلة للمنظمة الدولية للبلدان الفرنكوفونية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو نفسه صرح على هامش القمة: ” لنكن صريحين. لقد أصبح عدد الذين يتحدثون باللغة الفرنسية في المغرب العربي أقل مما كان عليه قبل 20 أو 30 سنة مضت”.

وفي محاولة منه لاستباق أية انتقادات قد توجه إليه في بلاده بهذا الخصوص دعا ماكرون إلى بذل الجهد من أجل ضمان “استرداد” اللغة الفرنسية لمكانتها.

ويتناقض حنين الرئيس الفرنسي إلى ماضٍ انقضى وولى مع الواقع في منطقة المغرب العربي حيث تسعى بلدان المنطقة إلى تنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع سائر بلدان العالم وذلك طبقا لمصالحها.

إضافة إلى ذلك لا يمكن لفرنسا أن تطلب من البلدان المغاربية أن تكف عن استعمال الإنجليزية كلغة تخاطب عالمية بينما تستخدمها هي في علاقاتها الدولية وحتى أنشطتها الرسمية.

كما أن باريس تعي تمام الوعي بأن تدهور مستوى المنظومات التعليمية في المنطقة قد انعكس سلباً على مستوى إتقان اللغة الفرنسية.

ويلاحظ في تونس على سبيل المثال أن اللغة الفرنسية تحولت تدريجياً إلى لغة نخبوية، في حين نشأت لغة هجينة كلسان دارج يمزج العربية بعبارات بالفرنسية وبلغات أخرى.  ولم تبق سوى شريحة محدودة من المجتمع تجيد التحدث والكتابة بالفرنسية.

ومن البديهي أيضا أن اللغة الفرنسية وجدت نفسها في حالات عديدة ضحية للتوترات بين بلدان المغرب العربي وفرنسا. وقادة الدول المغاربية لا يترددون في استعمال الورقة اللغوية للضغط على فرنسا اعتباراً لما يرونه من حساسية شديدة لباريس تجاه أية قضايا تمس من إشعاعها الثقافي في الخارج.

وكثيراً ما تتولد عن أية خلافات حول الملفات السياسية والاقتصادية أو حول النظرة إلى الماضي الاستعماري قرارات تضعف مكانة اللغة الفرنسية وتوسع رقعة انتشار الإنجليزية.

وليس هناك شك في أن تصريحات ماكرون غير الموفقة خلال الأعوام الأخيرة حول العلاقات الفرنسية الجزائرية والتاريخ الاستعماري للبلدين قد عمقت ندوبا قديمة غائرة لم يكتب لها أن تندمل مما تسبب في استمرار الفتور بين باريس والجزائر.

ومن المحتمل أن لا يكون قرار البنك المركزي الجزائري آخر قرار من نوعه تتخذه السلطات الجزائرية التي يتوقع الكثيرون أن تواصل السير على درب تكريس استعمال اللغة الإنجليزية كلغة ثانية.

وفي تونس لم تبق اللغة الفرنسية بمنأى عن معترك الاستغلال السياسي لمسألة الهوية. و إن هدأ الجدل بهذا الخصوص خلال الفترة الأخيرة فإنه قد يعود إلى الواجهة مستقبلاً بسبب مواقف ماكرون التي يراها عدد من الفرقاء السياسيين في تونس مساندة لقيس سعيد بالرغم من حالة الاستقطاب التي تعيشها الساحة السياسية  في البلاد والجدل الذي تثيره قرارات  قيس سعيد منذ يوليو 2021.

والملاحظ أن بعض الأطراف السياسية في تونس لم تنفك خلال العشرية تنادي بجعل الإنجليزية تحل محل الفرنسية كلغة ثانية في البلاد. ولكن أصوات هذه الأطراف قد خفتت في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تتالت على البلاد.

و ليست تونس استثناء في المنطقة. فكلما توترت العلاقات مع فرنسا تعالت الأصوات في بلدان المغرب العربي داعية إلى ترسيخ مكانة الإنجليزية على حساب الفرنسية.

برز ذلك خلال الاحتجاجات المغربية على القرار الفرنسي بالتضييق في منح التأشيرات على مواطني المملكة في وقت كانت فيه العلاقات بين الرباط وباريس تشهد أزمة يعود جانب منها إلى امتعاض المملكة مما تراه مواقف فرنسية ملتبسة  تجاه قضية الصحراء الغربية.

وكانت فرنسا فرضت سنة 2021 تضييقات على التأشيرات الممنوحة لمواطني المغرب والجزائر وتونس، كرد فعل على “عدم تعاون” حكومات هذه البلدان مع باريس من أجل ترحيل المهاجرين المغاربيين الموجودين في وضعية غير شرعية أو هم غير مرغوب فيهم في فرنسا.

وقبل ذلك قررت الحكومة الفرنسية سنة 2019 الزيادة عشرة أضعاف في معلوم التسجيل في الجامعات العمومية الفرنسية بالنسبة للطلبة القادمين من خارج المجموعة الأوروبية، مما أعطى انطباعا لشباب المغرب العربي بأنهم غير مرغوب فيهم في فرنسا.

واليوم إذ تنظر فرنسا إلى إفريقيا جنوب الصحراء على أنها منطقة واعدة بالنسبة لانتشار لغتها وتأثيرها الثقافي فإنه من  المحتمل أن تكتشف باريس أن هناك واقعاً جديداً مشتركا بصدد التشكل على جانبي الصحراء.

تطورت الأمور بشكل حثيث خلال السنوات الأخيرة. وفي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحاول فيه إنقاذ حملاتها العسكرية من الفشل في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، كانت باريس تخسر تدريجيا رقعة تأثيرها الاقتصادي وأسواقها الإفريقية التقليدية لفائدة منافسيها الصينيين والهنود والأتراك والأوروبيين.

وكانت الأجيال الإفريقية الشابة التي اكتشفت مزايا تكنولوجيات الاتصال الحديثة تصدح بأصواتها المطالبة بمقاربات جديدة للعلاقات الدولية بما فيها علاقات فرنسا مع إفريقيا.

في نهاية المطاف قد تكون المعركة من أجل قلوب وعقول الرأي العام المغاربي والإفريقي أكثر تعقيداً مما كان يتصوره إلى حد الآن الرئيس ماكرون.

 

أسامة رمضاني هو رئيس تحرير ذي أرب ويكلي، وعمل سابقًا في الحكومة التونسية و في مناصب دبلوماسية في واشنطن.