حرية التعبير ليست صكًا لإيذاء الغير

جوناثان جرونال

AFP photo: Ahmad Al-Rubaye

بعد مرور خمسة عشر عامًا، لاتزال تداعيات قرار إحدى الصحف الدنماركية بطباعة الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد يتردد صداه في جميع أنحاء العالم. وفي الأسبوع الماضي، انفجرت عبوة ناسفة في دبلوماسيون من فرنسا ودول أخرى خلال إحياء ذكرى يوم الهدنة في مقبرة لغير المسلمين في جدة بالمملكة العربية السعودية. ولحسن الحظ لم يمت أحد، على الرغم من وجود بعض الإصابات. ونجا أيضًا حارس أمن تعرض للطعن خارج القنصلية الفرنسية في جدة في أكتوبر/تشرين الأول. وفي اليوم ذاته في كنيسة في نيس بفرنسا، لم يكن الحظ حليفًا لثلاثة أشخاص تعرضوا لهجوم بسكين نفذه تونسي يبلغ من العمر 21 عامًا، حيث لقي الثلاثة مصرعهم.

وتضاف تلك الوفيات إلى مئات الأرواح التي قضت نحبها منذ سبتمبر/آيلول 2005، عندما رأت صحيفة “يولاندس بوستن” الدنماركية أن أفضل طريقة لفتح نقاش حول اندماج المسلمين في المجتمع هي تخويف المسلمين وإهانتهم في كل مكان. وبطريقة خادعة وملفتة للنظر، قالت الصحيفة في وقت لاحق إن الرسوم الكرتونية “لم يكن القصد منها أن تكون مسيئة … لكنها أساءت للعديد من المسلمين بكل تاكيد، ونحن نعتذر عنها”.

وعلى نفس النهج سارت الجريدة الأسبوعية الفرنسية الساخرة، شارلي إبدو، وأعادت نشر الرسوم، وهو عمل أدانه الرئيس الفرنسي “جاك شيراك”، ووصفه بأنه “استفزاز علني”.

وفي سبتمبر/أيلول 2012، لقي خمسون “50” شخصًا مصرعهم في احتجاجات حول العالم عقب إطلاق مقطع دعائي لفيلم مناهض للإسلام بعنوان “براءة المسلمين”. وردت صحيفة “شارلي إبدو” بنشر المزيد من الرسوم الكاريكاتورية عن النبي. وأشار وزير الخارجية الفرنسي “لوران فابيوس” إلى أن المجلة معرضة لتقويض مبدأ حرية التعبير. وأضاف: “لقد اثارت مشاعر جياشة في كثير من البلدان الإسلامية”. “فهل من المنطق أو الذكاء سكب الزيت على النار؟”.

والمنطق يقول أنه على الجميع إدانة الهجوم على مكاتب صحيفة “شارلي إبدو” في يناير/كانون الثاني 2015، والذي أودى بحياة 12 موظفًا، أو سلسلة الهجمات المنسقة التي وقعت لاحقًا في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني، وأودت بحياة 130 شخصًا، أو قتل المدرس الفرنسي “صمويل باتي” بطريقة وحشية الشهر الماضي، حيث أقدم لاجئ مسلم يبلغ من العمر 18 عامًا على قطع رأس المدرس بعد عرضة لرسومٍ كاريكاتورية مثيرة للجدل خلال شرجه لدرسٍ عن حرية التعبير.

من ناحية أخرى، كيف يمكن تبرير الاستفزاز المستمر من جانب أولئك الذين يصرون على إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية رغم علمهم باستياء المسلمين من هذا الفعل؟. ما الاستفادة التي تعود على الشخص أو المجتمع من إساءة استخدام “الحق” في حرية التعبير لمجرد استفزاز الآخرين وإهانتهم؟

وليس بالضرورة أن يكون المرء مسلمًا ليدرك مشاعر المسلمين تجاه مثل تلك الرسومات عن النبي محمد، أو كيف أن تلك الرسومات التي يتكرر نشرها هي بمثابة تذكير دائم بأن النظرة السائدة عن المسلمين وعقيدتهم هي أنهم “الآخرون” في ذلك المجتمع الغربي الذي من المفترض أنه مجتمع متسامح. إذًا لماذا يرى أي شخص – ولاسيما المعلم المنوط به توفير مناخ من الشمولية – أنه من المقبول الاستمرار في استعراض الرسوم الكرتونية التي أزعجت الكثيرين بالفعل، وكلفت العديد من الأرواح؟

إن التبرير الذي يقدمه المحررون الصحفيون المدافعون عن الرسومات إلى الرؤساء هو أن أولئك الذين يروجون للرسومات هم شجعان ومناصرون لحرية التعبير، ويقفون في وجه أولئك الذين يسعون إلى إسكات أصواتهم. وأضافوا أن طباعة الرسوم الكاريكاتورية ضربة قوية في معركة بين الأيديولوجيات. لكن هذا مجرد هراء خطير يصب في مصلحة أولئك الذين يرغبون في الفوز بالأصوات من خلال نشر رواية “هم ونحن” حول صرع السيطرة الكبير بين الإسلام والدول العلمانية في الغرب.

إن الإسلام بريء ممن اتخذوا العنف سبيلاً للرد على الرسوم الكاريكاتورية، وإنهم لأفراد مضطربون ومحرومون. والغالبية العظمى من المسلمين لا تعبأ بالحزن على كل ما يقلل من شأنهم ومعتقداتهم، ولكن في الغرب، يتم تصوير طباعة الرسوم الكاريكاتورية وإهانة ملايين المسلمين في جميع أنحاء العالم على أنها دفاع جريئ عن حرية التعبير – الحق في قول أي شيء عن أي شيء أو أي شخص، إذا ما تثنى ذلك.

وهذا تضليل، لسبب واحد، وهو أن حرية التعبير في بلدان مثل فرنسا والدنمارك لا تقتضي ان يدافع عنها احد – ويمكن التعبير دون خوف – وليس لأي جهة خارجية “الاعتراض عليه”، سواء صراحة او ضمنا.

وإلى جانب ذلك، لا يوجد شيء اسمه حرية تعبير حقيقة، حتى في أكثر المجتمعات تقدمية. فإذا ما قال المرء شيئًا خاطئًا عن الشخص أو المنظمة أو الدين الخطأ، فقد يتعرض للكمة في أنفه أو المقاضاة بتهمة التشهير أو بنشر خطاب الكراهية. ويتوقف هذا على الهدف من أفعالك، بمعنى، إذا كان الهدف هو الإساءه إلى أتباع الدين الإسلامي ومناصرة حرية الكلام، فمصيرك الاحتفاء والتكريم.

وفي سبتمبر/أيلول، نشرت “شارلي إبدو” الرسوم مرة أخرى، وذلك إيذانا ببدء محاكمة 14 من المشتبه بهم المتهمين بالتواطؤ في الهجوم على المجلة في 2015 والذي أودى بحياة “4” أربع رهائن في محل بقالة للأطعمة اليهودية في باريس. وقال رئيس التحرير إن إعادة نشر الرسوم “بدا ضروريًا لنا. ولم يكن ثمة ما يمنعننا من نشر الرسوم سوى الجبن السياسي أو الصحفي”.

ولكن هل بات الامتناع عن الإساءة إلى المعتقدات الراسخة للمواطنين ضربًا من الجبن، أكثر مما هو شجاعةً للاستهزاء بهم؟

إن حرية التعبير حقٌ مصحوب بمسؤوليات. ويجب على أولئك الذين يمارسون حرية التعبير أن يأخذوا في الاعتبار فضائل الآداب العامة واحترام الآخرين. فالمجتمع الذي يتسامح مع ازدراء المعتقدات الأساسية لأي من مواطنيه والإساءة إليها لا يحترم حقوقهم الأساسية فحسب، بل يتجاهل حقوقهم كمواطنين.

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.