خروج فرنسا من حرب الساحل يتيح لروسيا فرصة لخلافتها

فيصل اليافعي

يغادر جيش غربي آخر منطقة غير ساحلية هشة. فبينما سحبت الولايات المتحدة قواتها من دولة واحدة وهي أفغانستان، تستعد فرنسا لمغادرة خمس دول. ولم يصاحب إعلان فرنسا إنهاء عملياتها في منطقة برخان ضجة اعلامية كما كان متوقعاً، وتلك المنطقة شهدت تدخلها العسكري المتواصل منذ ما يقرب من عقد من الزمان. وبعد أن سارت فرنسا على النهج الأمريكي في العراق للفوز في حرب الساحل، فإنها تستخدم الآن نفس النهج الأمريكي للخروج من أفغانستان، في طريقها للخروج من الساحل.

وعلى مدى ثماني سنوات امتلكت فرنسا قوات في منطقة الساحل، وهو حزام من الدول يمتد على طول حافة الصحراء. فما بدأ كمحاولة لمنع الجهاديين من اجتياح مالي، تحول إلى عملية عسكرية انتشرت في خمس دول، مع أكثر من 5000 جندي فرنسي. وظاهريًا، كان الفرنسيون هناك لوقف الجماعات المسلحة التي تقاتل تمردًا منخفض المستوى طويل الأمد في جميع أنحاء المنطقة، والذي أودى بحياة الآلاف وشرد مليوني شخص. لكن عملياً، عملت القوات الفرنسية كـ “جيش شخصي” لحكومات الساحل.

ولم يكن التدخل الفرنسي محل ترحيب، سواء على الصعيد الداخلي، حيث كان ينظر إليه كإحدى مخلفات الحقبة الاستعمارية، أو على الصعيد الخارجي حيث اسفرت الخسائر البشرية في صفوف الجنود الفرنسين عن خسائر سياسية. وتفهم إيمانويل ماكرون هذه الحقيقة عندما قال في يونيو (حزيران) إن فرنسا لا يمكنها “أن تحل محل نفسها إلى الأبد لدول المنطقة”.

وكان اتخاذ قرار المغادرة هو الجزء السهل. وتواجه فرنسا الآن نفس المعضلة التي واجهتها الولايات المتحدة في أفغانستان: فكيف يمكن اخراج قواتها من البلاد دون احداث انهيار سريع للحكومات التي أمضوا سنوات في حراستها.

وحاولت فرنسا أولاً كسب الحرب بالقوة، في محاولة لتكرار الاستراتيجية الأمريكية في العراق “زيادة القوات” عام 2007. وأرسلت العام الماضي 600 جندي إضافي إلى المنطقة على أمل تمهيد الطريق للقوات المحلية بالسيطرة. وكانت هناك بعض النقاط المضيئة، مثل مقتل زعيم القاعدة في شمال إفريقيا، لكن الثمن كان باهظاً. وكان العام الماضي هو الأسوأ من حيث الخسائر في صفوف المدنيين منذ دخول فرنسا في عام 2013، حيث قُتل ما يقرب من 7000 مدني.

وتبحث فرنسا الان عن مخرج، وتتطلع إلى استراتيجية أمريكا الأفغانية لحمل الحلفاء على القيام بمعظم العمل في حماية الحكومة من الهجمات الخارجية. وستحل فرقة عمل جديدة من تاكوبا محل عملية برخان؛ وستتألف من 600 جندي نصفهم من دول الاتحاد الأوروبي.

وهي استراتيجية محفوفة بالمخاطر، سواء بالنسبة لمنطقة الساحل أو لفرنسا. ويأمل ماكرون في الخلاص من التدخل في منطقة الساحل كونه مصدر لسهام النقد قبل الانتخابات الفرنسية للعام المقبل. لكن لم يتم توضيح كيف يمكن لوحدة من المئات أن تحقق ما لم يستطع آلاف الجنود القيام به.

وعلاوة على ذلك، يجب مراعات مشاعر رجل الشارع. وأكبر الفرق غير الفرنسية في تاكوبا هم جنود سويديون وإستونيون وتشيكيون. وجميعهم من البلدان التي ليس لها ارتباط يذكر بمنطقة الساحل وستكون شعوب تلك البلدان حساسة للغاية في حال وجود ضحايا. ولم يوافق البرلمان السويدي على الانتشار القوات السويدية إلا بعد نهاية هذا العام.

وبدون تواجد القوات الفرنسية، قد يشبه الساحل حربًا غربية أخرى: مثل ليبيا، والتي انتهى الغزو بتدفق نفوذ أجنبي.

ويبدو أن هذا هو الحال بالفعل، حيث إن روسيا على أهبه الاستعداد للتدخل وحماية حكومات الساحل من المسلحين. وقد شهد العام الماضي حدثين رئيسيين في المنطقة، وفي كلتا الحالتين، كان هناك تقارير عن تورط روسيا.

وكان الحدث الأول في أغسطس من العام الماضي، وهو الإطاحة العسكرية برئيس مالي، إبراهيم بوبكر كيتا ، في منتصف فترة ولايته الثانية، التي استمرت خمس سنوات. والحدث الثاني هو الموت المفاجئ لرئيس تشاد، إدريس ديبي ، الذي كان في السلطة لمدة ثلاثة عقود. وتشاد هي المقر الرئيسي لعملية برخان، وقد كان السيد ماكرون هو رئيس الدولة الغربية الوحيد الذي حضر جنازته، والتي أقيمت بالتزامن مع تهديد الجنود المتمردين بالزحف إلى العاصمة، وهم من نفّذ الهجوم الذي قتل ديبي.

والنتيجة النهائية هي أن اثنين من الحلفاء الفرنسيين القدامى لم يعودوا في السلطة، وحكومتان كانتا مستقرتان سابقًا اصبحتا في حالة تغير مستمر. و ماكرون، الذي يشعر بحساسية شديدة إزاء الانتقادات القائلة بأن فرنسا أكثر ارتياحًا للقادة الأقوياء في إفريقيا مقارنة بالقادة الديمقراطيون الحقيقيون، والذي يتعين عليه لعب اكثر من دور، حيث رحب بنجل ديبي في باريس في أوائل يوليو بينما أصر على أن المجلس العسكري الذي يقوده يجب أن ينتقل لحكم مدني.

والتقارير التي تشير إلى تورط روسيا في كلا الحدثين مبهمة وغير دقيقة. وقد ذكرت صحيفة التايمز البريطانية أن المتمردين التشاديين الذين قتلوا الرئيس ديبي تلقوا تدريبات في ليبيا على أيدي مرتزقة روس تابعين لمجموعة واغنر المجهولة. واقترحت الإذاعة العامة الألمانية، DW، أن اثنين من مهندسي الانقلاب في مالي أمضوا عامًا في كلية عسكرية في روسيا.

وما هو مؤكد هو أن روسيا وسعت، بكل خفية، علاقاتها في المنطقة على مدى السنوات الأربع الماضية، وأبرمت اتفاقيات تعاون عسكري مع ثلاث دول في الساحل. وتعمل مجموعة فاغنر الروسية أيضًا في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، وهما دولتان متاخمتان لتشاد شمالًا وجنوبًا.

وقد أثبتت روسيا بالفعل قدرة مرتزقتها على محاربة المتمردين وحماية الحكومة في جمهورية إفريقيا الوسطى. ومن وجهة نظر حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى، فقد فعلت ذلك بدون إعطائها محاضرات حول الديمقراطية وبدون أعباء استعمارية. (لكن المنظور المدني مختلف نوعًا ما: ففي الأسبوع الماضي فقط، اضطر الكرملين إلى نكران أن مدربيه العسكريين في البلاد قد قاموا بقتل مدنيين ونهبوا منازل).

ستغادر القوات الفرنسية، بينما حكومات الساحل لا تزال تشعر بالهشاشة والضعف، ومالي وتشاد تحديداً أكثر هشاشة من قبل، وستظل بحاجة إلى قوات أجنبية لحماية قبضتها المتراخية على السلطة. فكم من الوقت سيمضي قبل أن تنظر دول الساحل إلى جمهورية إفريقيا الوسطى ويطلبون مساعدة موسكو؟ كما هو الحال في أفغانستان، فإن خروج القوات الغربية سيفتح الباب أمام الروس.

يقوم فيصل اليافعي حاليًا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق منتظم على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. كما عمل لمنافذ إخبارية مثل ذا جارديان و البي بي سي ، كما نشر تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.