في جنوب افريقيا، تحول فيروس كورونا الى تجارة في نهاية المطاف، وتلك أخبار سيئة بالنسبة لباقي القارة السمراء

جوزيف دانا

AFP Photo: Michele Spatari

وصل فيروس كورونا (كوفيد-19) إلى القارة الأفريقية بصورة بطيئة لكن هذا لم يمنعه من نشر الخراب، وعلى الرغم من أن هذا التأخير وفّر المزيد من الوقت للدول من أجل الاستعداد للفيروس فإن استراتيجيات الاحتواء المبكر قد انهارت اليوم، وهذا يعود إلى سوء الإدارة وضعف أساليب الحُكم، وجنوب أفريقيا باعتبارها أكبر دولة صناعية في القارة تعُد حالة يمكن دراستها فيما يخص الفرص المتأخرة الضائعة، وبدلًا من استغلال الاضطرابات التي نتجت عن الوباء في إعادة ترتيب الوضع الراهن وصولًا إلى كفاءة الحُكم، فقد سمح انتشار فيروس كورونا للعناصر الغير فعالة في الحُكم بإعادة التأكيد على وجودها، وغالبًا ما تتصدّر جنوب أفريقيا مشهد القيادة وتتبعها باقي دول القارة، والمحزن أن تكون تلك هي الحالة فيما يخص استجابة القارة السمراء لانتشار فيروس كورونا.

وجنوب أفريقيا التي تتولّى رئاسة الاتحاد الأفريقي خلال العام الحالي قامت بقيادة جهود القارة لمواجهة فيروس كورونا حين قامت بتطبيق أكثر أنواع العزل صرامة على مستوى العالم، ومنذ صعوده إلى سدة الحُكم منذ عامين حاول الرئيس سيريل رامافوزا القيام بإصلاحات جوهرية، كان أهمها التخلص من الساسة الفاسدين وإصلاح الكيانات الحكومية التي كان يقودها ذات الأشخاص الفاسدون، واليوم ومع اتحاد المواطنين في مواجهة فيروس كورونا هل كانت تلك هي اللحظة الغير مناسبة لإجراء مثل تلك التغييرات؟، البعض يعتقد ذلك، لكن للأسف هذا الاعتقاد غير صحيح.

في السادس والعشرين من مارس، وقبل تسجيل أية حالات وفاة بفيروس كورونا، قامت جنوب أفريقيا بإيقاف مُعظم الأنشطة الاقتصادية، وتم منع حركة جميع المواطنين إلا في حالة الضرورة القصوى، حتى أن منافذ التجارة الإلكترونية تم إجبارها على بيع المنتجات الأساسية والضرورية فقط، وصدر قرار بمنع بيع المشروبات الكحولية والتبغ على وجه الخصوص، وكان مبعث منع بيع المشروبات الكحولية هو التخفيف من الآثار الصحية الناتجة عن تناول تلك المشروبات، ومن ثم توفير أماكن بالمستشفيات لعلاج مصابي فيروس كورونا، وتم منع بيع التبغ لأن التدخين يعمل على إضعاف الجهاز التنفسي، علاوة على ذلك، فإن عملية المشاركة في تدخين السجائر بين الفقراء تعمل على انتشار فيروس كورونا الذي يسبب الإصابة بفيروس (كوفيد-19).

والمنهج الذي اعتمدته جنوب أفريقيا والخاص باستجابتها للفيروس وإقرار العزل كان محط ثناء على نطاق واسع، باعتباره نموذجًا في القيادة يُحتذى به ويُنسب للرئيس رامافوزا، ومع قيام دول أخرى بسلوك ذات الطريق فقد تمت الإشادة باستجابة قارة أفريقيا لفيروس كورونا باعتبارها الأفضل على مستوى العالم، وكتب محرر الشؤون الأفريقية في صحيفة فايننشال تايمز في شهر إبريل قائلًا “العديد من سكان القارة لديهم القليل من الثقة في الحكومات والنُخب التي طالما عمدت إلى استخدام السلطة لتدعيم مركزها، والاستجابة لفيروس كورونا في هذا الإطار كانت بمثابة لمحة خاطفة ليس إلا، من أجل إظهار القدرة على التغيير”.

والواقع أن تلك اللمحة أثبتت أنها من النوع العابر.

وفي جنوب أفريقيا، وحينما بدا واضحًا أن منحنى الإصابات توقف عن الارتفاع، رفضت بريتوريا بعناد ولأسباب غير مفهومة تخفيف إجراءات العزل، وذلك على الرغم من حقيقة فقدان الأرواح بسبب الفقر المدقع والجوع الذي يفتك بالمواطنين، وعلى الرغم من المعارضة التي أبدتها وزارة المالية وكبار علماء الدولة على استحياء؛ فإن مجلس القيادة الوطني المعني بمواجهة فيروس كورونا رفض تبرير القرارات التي أقدم عليها. أما غليندا غراي وهي واحدة من كبار العلماء في جنوب أفريقيا وباحثة شهيرة على مستوى العالم في مرض الإيدز فقد هاجمت الحكومة بسبب قيامها بإصدار قوانين “غير منطقية” و”غير علمية”، ومن ضمن أكثر تلك القوانين غرابة على سبيل المثال كان القرار الخاص بالسماح ببيع الملابس الشتوية دون الملابس الصيفية.

أما الدعم الداخلي الذي يحظى به رامافوزا وحكومته فقد تحول إلى سراب، وبسبب الضغط الشعبي الهائل فقد تم التخلص من الكثير من القوانين التي تم إقرارها بخصوص فيروس كورونا.

لكن قرار منع بيع التبغ ظل قائمًا، وهذا يعود بالأساس إلى إصرار كوسازانا دلاميني-زوما وزيرة الحوكمة التعاونية والشؤون التقليدية.

فقد أعلنت الوزيرة في بداية شهر مايو علانية إلغاء قرار الرئيس بالسماح ببيع التبغ، حيث ادعّت أنها تلقّت أكثر من “2000” رسالة من مواطنين معنيين بتلك المسألة يطالبوها بتمديد حظر بيع التبغ، وأيًا كانت حقيقة الأمر فإن كل ما فعلته هو تسليط الضوء على الفساد داخل الهيئة الوطنية للمستهلكين، وبشكل خاص تسليط الضوء على العلاقة بين الوزيرة وأحد مهربي التبغ سيئ السمعة يُدعى أدريانو مازوتي، وعلى الرغم من نفي دلاميني-زوما وجود أية علاقة مع مازوتي أو أية أعمال تخالف القانون، إلا أن هناك أحاديث متكررة حول مساهمة مازوتي في الحملات الخاصة بالوزيرة في الماضي (وقد نفى مازوتي تلك الادعاءات).

وقد باتت المشروبات الكحولية متوفرة مجددًا لكن فقط من يوم الإثنين حتى يوم الخميس، ولا يمكن تناول تلك المشروبات خارج المنزل، وكان تبرير منع تناولها خلال عطلة نهاية الأسبوع هو أن جنوب أفريقيا دولة تشهد الكثير من جرائم العنف، وأن نصف تلك الجرائم تقع في نهاية الأسبوع، وأنه تم اكتشاف أن أكثر من نصف الضحايا لديهم نسبة عالية من الكحول في الدم، لكن عملية منع الكحول لا تعني أنه لم يعُد متوفرًا، لكنها تعني أنه بات من الأمور المخالفة للقانون.

والواقع أن الاستجابة للوباء بشكل عام والآثار المترتبة على ذلك أصابت مواطني جنوب أفريقيا بالحيرة والغضب حيث كشفت عن فوضى وسوء إدارة وفقدان للاتصالات وإصدار قوانين من الصعب تبريرها، وبمعنى آخر فقد باتت التجارة كالعادة عنصرًا أساسيًا في تلك المسألة، وقد اتهم الصحفي المقيم في جوهانسبرج وليام شوكي الحكومة ب”استغلال الأزمة من أجل إهمال الرقابة والشفافية، والاختباء خلف الخبراء والإعلان عن مواقف تتناقض مع ما يقوله هؤلاء الخبراء”، ومع انهيار الاقتصاد واستمرار الهزات التي تصيب القطاع الصحي فإنه من الواضح أن المستفيد الأكبر بعد مرور شهرين من العزل هم تجار السلع المهربة من التبغ والمشروبات الكحولية.

وقد تم انتخاب الرئيس رامافوزا من أجل وقف الفساد ووضع جنوب أفريقيا على المسار الصحيح من أجل المضي للأمام، وفي البداية، بدا أن وباء كورونا كان يمثل فرصة للرئيس من أجل تنفيذ ما وعد به، ولكن عوضًا عن ذلك تحولت تلك إلى فرصة أخرى ضائعة ضمن سلسلة مؤسفة من الفرص الضائعة، وحينما تشرع بريتوريا في أمر ما فإن باقي القارة تحذو حذوها وتدعمها، وتلك هي التراجيديا السوداء لوباء كورونا.

 

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.