يعد الانتظار الطويل للعديد من العائلات السورية المختفية هو مجرد بداية

فيصل اليافعي

الرحلة في غياهب العالم الخاص بالنظام لسوري تبدأ باسم محدد، وأحياناً ما يصيح رجال مسلحون بهذا الإسم في وسط الليل، وأحياناً ما يقوم ضابط ما بنطق هذا الإسم بهدوء حين يصل إلى مكان العمل في زيارة لم يُعلن عنها سلفاً، وفي كثير من الأحيان فإن الأمر ينتهي باسم أيضاً، وبحيث يتم كتابة هذا الاسم بشكل واضح في قائمة القتلى، وبين البداية والنهاية هناك السجن والتعذيب.

وقد كان الخميس الماضي الثلاثين من أغسطس يوافق اليوم العالمي للمختفين، وهو اليوم الذي نتذكّر فيه ضحايا الاختفاء القسري، وقد كان اليوم العالمي للمختفين له أهمية خاصة لدى السوريين في هذا العام، وذلك لأنه على مدار الأسابيع الماضية بدأ نظام الأسد بشكل مُفاجئ نشر مجموعة من القوائم بأسماء هؤلاء الذين لقوا حتفهم وهُم رهن الاحتجاز على مدار السنوات الماضية، وعلى مدار أعوام رفض النظام السوري الكشف عن هوية الأشخاص الذين قام بسجنهم، حتى أن النظام لم يكشف عما إذا كان هؤلاء رهن الاحتجاز من عدمه، لكن منذ شهر إبريل تم الكشف عن آلاف الأسماء، حيث اكتشفت كل عائلة أن الشخص المختفي والمحبب إلى قلبها ليس رهن الاعتقال وإنما لقي حتفه منذ سنوات.

وهناك المزيد من الأشخاص مجهولي الهوية، والحقيقة أن عائلات هؤلاء المختفين تُعاني من الإهمال سواء على المستوى القانوني أو المعنوي، وتلك العائلات غير قادرة على الحياة بصورة طبيعية، وهُم غير قادرون على الشكوى وكذا فهُم غير قادرون على استمرار الحياة، وحتى لو خرجت قوائم أسماء الموتى من بين جدران سجون النظام السوري فإن هناك معاناة مستمرة تشعر بها آلاف العائلات، وبالنسبة لتلك العائلات فإن رحلة الانتظار الطويلة من أجل اكتشاف الحقيقة بدأت للتو.

وطالما استخدم نظام الأسد أسلوب الاختفاء القسري كأداة للقمع، وخلال الثورة التي اندلعت في العام 2011 والحرب الأهلية التي أعقبتها فقد تم اختطاف عشرات الآلاف من السوريين تتراوح التقديرات الخاصة بهم بين 80 ألف و100 ألف شخص وربما أكثر، حيث انتهى الأمر بهؤلاء داخل شبكة مترامية الأطراف من سجون النظام التي تديرها العديد من الوكالات التابعة للجيش والمخابرات.

ولم يتم سماع أية أخبار عن الكثير من هؤلاء منذ اختفائهم، والواقع أن العدد الهائل من السوريين المختفين يعني أن الكثير من السوريين الذين يعيشون في المنفى أو مخيمات اللاجئين لدى كل منهم قصة لعزيز عليه اختفى فجأة دون سابق تحذير.

وكثيراً ما تجمع قصة واحدة بين هؤلاء، فالزوج أو الأخ (وغالباً ما يكون المختفين من الرجال ولكن ليس دائماً، فهناك العديد من الأطفال المختفين) قد يتعرّضوا للاختفاء بشكل مفاجئ، وبعدها بأيام تدرك العائلة أن أحد أفرادها قد تعرّض للخطف، ويبدأ هؤلاء في السؤال عن ذويهم داخل السجون وأقسام الشرطة، كما يحاولون العثور على معلومات عن ذويهم من السلطات العسكرية، حتى ينتهي الأمر بهؤلاء للفشل في العثور على الشخص المختفي، ولا يمكن الحصول على تأكيد من أي شخص على أن الشخص المختفي هو رهن الاحتجاز، وإذا كان محتجزاً فلا يعلم أحد التهم التي تم توجيهها إليه أو أين هو، حتى أن المحامين لا يستطيعون الوصول لهذا الشخص، وأحياناً ما يتم اعتقال أشخاص ذهبوا للسؤال عن ذويهم، ويستمر هذا الوضع المريب لسنوات، وهو وضع نفسي لا يمكن تخيُله، خاصة في مجتمع يعُد فيه الزوج عماد البيت، ومن الناحية الاقتصادية والمعيشية فإن هذا الأمر هو الدمار بعينه.

وقد حدث تغيُر ما داخل النظام السوري في وقت مبكر من هذا العام، وتم الكشف عن قوائم تضُم الآلاف من الأسماء بداية من شهر إبريل، وبدأ الأهالي يصفون شكل الضباط والجنود الذين يطرقون أبوابهم ومعهم شهادة الوفاة الخاصة بأحد أفراد العائلة، وكذا عن قوائم الأسماء التي يتم نشرها بصورة غير رسمية في الأماكن العامة.

وفي العديد من الحالات يتم الإعلان عن الوفاة على أنها تمت منذ أعوام، وقد سمعت بعض العائلات من المعتقلين المُفرج عنهم أن الشخص المختفي عضو العائلة كان حياً يُرزق حتى فترة قريبة وبعد تاريخ صدور شهادة الوفاة، لذا فقد ثارت الشكوك حول عدم صحة شهادات الوفاة، كما أن هذا يبعث الأمل لدى العائلات أن هؤلاء المختفين على قيد الحياة، أو أن النظام قد قام بإعدام هؤلاء المعتقلين مؤخراً من أجل إنهاء القصة برمتها.

وهناك حجة مُقنِعة تقول أن النظام السوري يعتقد أنه مع الانتصار الهائل الذي حققه يريد وضع نهاية لتلك المسألة وإقناع الشعب السوري أن الحرب الأهلية وكل ما جرى خلالها بات شيئاً من الماضي.

والواقع أن إصدار شهادات الوفاة أدّى إلى إنهاء المشاكل القانونية التي تعرّضت لها تلك العائلات، كما أن تلك الشهادات قد سمحت لهؤلاء ببيع الممتلكات أو الوصول للحسابات البنكية، لكن إصدار تلك الشهادات لا يمكن له محو الأذى المعنوي الذي تعاني منه تلك العائلات، فبغير أن تعلم تلك العائلات بشكل واضح كيف مات ذويهم؛ وبغير أن يرى هؤلاء جثة الشخص المختفي؛ وبغير أن يشعروا أن هناك إجابات للأسئلة التي تدور في أذهانهم؛ فإن عشرات الآلاف من هؤلاء المختفين السوريين لن يتم تأبينهم بشكل جيد.

وهناك خشية من أن يطول انتظار تلك العائلات من أجل عودة من يحبونهم ليمتد إلى سنوات أو فترة أطول من ذلك.

وكانت تلك هي التجربة المريرة التي مرّت بها آلاف العائلات اللبنانية، حيث اختفى الأزواج والأمهات والأبناء والبنات خلال الحرب الأهلية التي استمرت من العام 1975 وحتى العام 1990، وهناك تقديرات تقول أن هناك 17 ألف لبنانياً تعرّضوا للاختفاء خلال تلك الفترة التي استمرت على مدار 15 عاماً، حيث تم سجنهم داخل سجون في لبنان وإسرائيل وسوريا، وبعد مرور عشرات السنين فإن عائلات هؤلاء الضحايا لم تحصل على إجابات.

وكل ما يمكن لتلك العائلات التشبُث به هو بعض الصور الفوتوغرافية، وبعض التذكارات الصغيرة مثل الحقائب المدرسية، والذكرى التي يعيشون عليها، وهناك نشطاء مثل المصورة اللبنانية داليا خميسي التي قامت بتوثيق حالة الإهمال التي تعرّضت لها تلك العائلات، فهؤلاء النشطاء يحاولون الإبقاء على تلك القضية في طليعة اهتمامات الرأي العام، حيث دعا هؤلاء النشطاء إلى تشكيل لجنة وطنية على غرار “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي تم تشكيلها في جنوب إفريقيا للكشف عن جرائم الفصل العنصري، وذلك من أجل الوقوف على حقيقة ما حدث، لكن يبدو أن هناك نزعة سياسية تحول دون فتح الجراح القديمة، خاصة في دولة لا زالت تعاني من آثار الحرب الأهلية (لبنان) كما أن هناك حرباً أهلية تدور على أراضي جارة لها (سوريا).

لكن دون معرفة حقيقة ما حدث فإن تلك العائلات ستستمر في غياهب النسيان، حيث تتأرجح مشاعرهم بين الأمل والحداد، وبتلك الطريقة فإن الحرب لن تنتهي أبداً.

وهؤلاء المختفين في سوريا كما في لبنان لم يتم وضع أسمائهم في قوائم، وبالنسبة لعائلات هؤلاء المختفين فإن هؤلاء الضحايا يمثلون لذويهم العالم بأكمله، ولا يمكن لأحد أن ينسى اليوم الذي فقدت فيه كل عائلة من تلك العائلات العالم الخاص بها.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل دائم على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا بالإضافة لآسيا وإفريقيا.

AFP PHOTO/DIGITALGLOBE