كيف يمكن الحديث عن قضايا العالم الذي نعيشه في خضم الشتات ما بين قضايا دول العالم الأول وقضايا دول العالم الثالث وغيرها من المصطلحات الثنائية؟

مايكل جينينغز

AFP Photo: Rodger Bosch

كان العالم سهل وبسيط لمن عاش في إمبراطورية تشو الصينية القديمة في الألفية الأولى قبل الميلاد، فقد كان البشر يعيشون في حدود “زونقو” أو المملكة الوسطى، أما من كان يقطن خارج حدود المملكة فكان يُعتبر بربريًا أو همجياً. وكان فهم العالم في ذروة الإمبريالية الأوروبية سهلاً وبسيطاً أيضًا. فعلى الخريطة تم تلوين مساحات شاسعة من الأراضي بألوان تحدد كل إمبراطورية من الإمبراطوريات. وكل ذلك بسبب سعى الطبيعة البشرية لتبسيط كل ما هو معقد. واليوم توصلنا إلى العديد من الصفات والنعوت لفهم العالم الذي نعيشه. لكن مصطلحات مثل الشمال والجنوب والعالم الأول أو العالم الثالث القت بضلالها القاتمة على التنوع والتعدد وارغمتنا على رؤية المشهد من زاوية ذات بعدين فقط.

ومع ذلك، لا تقف المشكلة عند حدود التبسيط فقط. فغالباً ما يخلق ذلك التبسيط الكثير من التحيزات والتحامل حول بعض الشخوص واماكنهم التي تعكس القيم المنسوبة إليهم. ويمكن رؤية هذا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعتمد التعليقات الجارحة والإهانات ضد الآخرين على التفوق الضمني المكاني الذي يعيش فيه صاحب التعليق. كما تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على تسليح وتعزيز التحيزات والعنصرية التي تأتي من الفهم السهل والمبسط للعالم. وفي هذا الزمن الذي استوى فيه الجاهل والعالم، يجب اخذ الحيطة واختيار عباراتنا وكلماتنا بتأني خاصة تلك التي نصف بها بعضنا البعض.

إن سعينا لتحليل العالم وفهمه يتطلب صياغة بعض التعميمات. حيث نقوم بوضع البلدان أو المناطق التي تشترك في بعض أوجه التشابه في خانة واحدة ونغض الطرف عن التفاصيل والاختلافات المهمة التي تُميز كل بلد، لكن وصف العالم لا يقتصر فقط على البحث في النقاط الموضوعية المشتركة أو نقاط الاختلاف. بل ينطوي على التعرف على وجهات النظر والافتراضات والقيم المختلفة للشعوب. وتأتي المشاكل عندما يقرر أحد طرفي هذا التقسيم ما هو الصح وماهوا الخطاء، مما يعكس حقائق القوى المسيطرة على العالم والموروث الاستعماري المستمر.

ومنذ نهاية عصر الإمبراطوريات، ظهرت طريقتان مستحكمتان لتجزئة العالم. الطريقة الأولى هي صدى للحرب الباردة، حيث ترى العالم من منظور الصراع الوجودي بين الغرب الديمقراطي الرأسمالي والشرق الشيوعي (المكون من الاتحاد السوفيتي والصين). أما “الدول الاخرى” – فترتبط ارتباطًا وثيقًا بخرائط الأراضي الاستعمارية السابقة – مثل مناطق في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي شكلت معًا ساحة لمعركة الأفكار والتأثير.

أما الطريقة الثانية فأخذت منحى اقتصاديً، حيث صنفت المناطق وفق الناتج المحلي الإجمالي أو مستوى “التنمية”، وخصصت مصطلحات مختلفة لوصف تلك الاختلافات. مثل “منخفضة” أو “متوسطة” (أو “ناشئة”) أو “بلدان ذات دخل مرتفع” – وهذه المصطلحات ذات صبغة اقتصادية بحتة، حيث إنها قائمة على مستويات الناتج المحلي الإجمالي التي لا تزال تخفي في طياتها التنوع الكبير داخل السكان. وهذه التصنيفات لا تزال قيد الاستخدام على نطاق واسع ولديها على الأقل ميزة كونها تسمية يمكن للمرء الهروب منها: حيث انتقلت تنزانيا وبنين مؤخرًا إلى تصنيف متوسط ​​الدخل، بينما انضمت موريشيوس الآن إلى تصنيف البلدان ذات الدخل المرتفع.

ولكن المصطلحات الأخرى وصلت إلى نطاق أوسع ضمن اللغة العامية الشعبية والتحليلية. فلم تكن مصطلحات “الشمال” و “الجنوب” تتعلق دائمًا بالموقع الجغرافي بقدر ما تتعلق بالتمييز بين المناطق الغنية، وذات النفوذ، والمناطق الفقيرة والضعيفة. وبالمثل، ركزت مصطلحات مثل “متطورة” و “النامية” على عنصر الفقر.

.

والمصطلح الذي ترعرعت معه هو دول “العالم الثالث” والذي صاغه عالم الديموغرافيا الفرنسي ألفريد سوفي في خمسينيات القرن الماضي، لوصف تلك الدول التي لم تكن جزءًا من التكتل الغربي ولا الشرقي. وبحلول الستينيات من القرن الماضي، أصبح هذا المصطلح مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفقر والتخلف وسوء الإدارة. وفي عالم لا يزال يحتوي على طبقة الدرجة الثالثة، و “الثالث” حتمًا أقل جودة من “الأول”، فقد تم استخدام المصطلح لتوصيف أجزاء من العالم والتي يقطنها اصحاب البشرة السمراء بصفتهم غالبية، والتي(من قبيل الصدفة) كانت تحت الحكم الإمبراطوري. ولاحظت تلك الشعوب التي كانت تُوصم وتُنعت بمصطلح سكان العالم الثالث العنصرية والنظرة الدونية التي يحملها ذلك المصطلح في جنباته.

ما يُعضّد كل هذه الطرق لتفريق العالم هو الفرضية التي تقول إن نموذج التنمية في أوروبا وأمريكا الشمالية مع نفس نظام الحوكمة والقيم الأخرى، هو الهدف النهائي التي يجب أن تحتذيه بقية دول العالم. وكلما شابهت مسيرتك الحضارية اوروبا وشمال امريكا كلما كان لك الحق في الانضمام إلى صفوة القوم أو العالم الأول أو الدول المتطورة. وتفترض هذه المصطلحات أن محاكاة أوروبا وأمريكا الشمالية تجعل من باقي بلدان العالم دول أفضل، وعليه تمثل أوربا وامريكا سقف الطموح لباقي بلدان العالم.

ومع ذلك، فإن دول الشرق الأوسط الغنية مثل الإمارات العربية المتحدة أو الدول الآسيوية مثل سنغافورة لا ترغب في تقليد أو تكرار المسيرة الحضارية للمجتمع الغربي. ففي التسعينيات، سعى رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمدـ، إلى تسليط الضوء على “القيم الآسيوية” التي مثلت خروجًا عن النموذج الغربي الذي يربط التنمية بالليبرالية

ومن الواضح أن المصطلحات الثنائية والمعايير التي تركها الزمان ورائه، ليست موضوعية وليست من المّسلمات العلمية. حيث إنها تستند على ما هو مهم لبعض الأقليات في جزء ما من العالم (وإن كانت أقليات قوية). فهل الناتج المحلي الإجمالي للأمة شرط لا غنى عنه “للتطور”؟ ماذا عن كوستاريكا وكوبا؟ فكلاهما أفقر من الولايات المتحدة (“المتطورة” إلى حد كبير)، ومع ذلك يتمتع كلاهما بصحة ونوعية حياة أفضل وفق عددً من المؤشرات المختلفة مقارنة بجيرانهم دول “العالم الأول”. كما أظهرت الدراسات في العام الماضي أن البلدان الغنية تحتوي على قدر هائل من عدم المساواة والفقر – ​​فهناك قواسم مشتركة كثيرة بين سكان الاحياء الفقيرة في مانشستر مع أولئك الذين ينتمون إلى منطقة الطبقة العاملة في هونغ كونغ.

وعلى مدى العقدين الماضيين، ظهر مصطلح “الشمال ” و “الجنوب ” في إشارة إلى المناطق العالمية. وبينما لا يزال هناك بعض التداخل مع المصطلحات القديمة، إلا أنها محاولة للاعتراف بمدى أهمية التناقضات في السلطة فيما يخص تشكيل العلاقات والفرص. وهي على الأقل محاولة للتخلص من المصطلحات المخزية لمناطق معينة.

وأستخدم هذه المصطلحات بنفسي، لكن مع الكثير من التحفظ. فهل هم فعلاً يتجنبون تقسيم العالم حسب الموروثات الاستعمارية؟ في حين أن هذا التقسيم قد يكون منطقيًا من منظور سكان شمال الكرة الأرضية، فهل يرى شخص ما في الهند نفسه أكثر انسجامًا مع شخص في كينيا أو مع شخص في تايلاند على سبيل المثال أو مع شخص في كوريا الجنوبية؟ كل هذا يعتمد على اسباب شتى ومتعددة بالطبع، على اسس المقارنة مثلاً وعلى طبيعة السياق. وهذه المصطلحات التي تُقّسم العالم تحل بعض، ولكن ليس كل المشكلات – وهي بالتأكيد بعيدة كل البعد عن قيم ومبادئ العالمية.

وربما جاء اليوم الذي نسمع فيه أصوات من خارج أوروبا وأمريكا الشمالية تنادي بمصطلحات وتعريفات جديدة لرجال الساسة، والأكاديميون والصحفيون في أوروبا وأمريكا الشمالية. وهناك حديث كثير هذه الأيام عن القضاء على الصبغة الاستعمارية في التعليم وفي التنمية وفي الصحة العالمية وجوانب اخرى كثيرة. ولكن ماذا عن القضاء على الصبغة الاستعمارية في نظرتنا للعالم؟

 

مايكل جينينغز هو قارئ في التنمية الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية ، أو SOAS بجامعة لندن ، حيث يعمل على القضايا المتعلقة بالصحة العالمية وسياسة وتاريخ التنمية العالمية.