العثور على المفقودين السوريين يتطلب أكثر من مجرد مؤسسة جديدة

فيصل اليافعي

Image courtesy of Louai Beshara / AFP

اختفى عشرات الآلاف من السوريين بعد اندلاع الانتفاضة السورية قبل أكثر من عقد من الزمان، حيث اعتقل المتظاهرون عند نقاط التفتيش، واقتيد رجال ونساء من منازلهم عنوة، وسحب معارضو النظام إلى سيارات في منتصف النهار، وربما اختفى 100,000 شخص تقريباً، ولا يعرف أهالي هؤلاء عن مكان وجودهم أو ما إذا كانوا على قيد الحياة أم لا.

بالنسبة لنظام الأسد، أصبح الاختفاء القسري سلاحا للحرب وسلاحا قويا في ذلك الوقت، مما أثار الخوف والشك، وبالنسبة لعائلات المفقودين سنوات من الحيرة والضنون.

وسعت الأمم المتحدة الآن إلى إنشاء مؤسسة جديدة من شأنها تنسيق مطالبات السوريين داخل البلاد وخارجها في محاولة منها لحل هذه القضية، ويتم حالياً تقديم الاستفسارات والادعاءات من أفراد العائلات داخل البلاد، التي يسيطر عليها نظام الأسد بشكل رئيسي، ولكن أيضا من قبل مجموعة متنوعة من الجماعات العاملة على الأراضي السورية، إلى مجموعة متنوعة من المنظمات غير الحكومية والمنظمات الإنسانية. وظهرت بعض تلك المطالبات لأفراد أسر اللاجئين في الخارج، أو عندما تتم معالجتها في مخيمات طالبي اللجوء، كما تم تقديم بعضها من قبل أفراد الأسر الذين هم من مواطني الدول العربية أو الأوروبية.

وبسبب الطبيعة العشوائية للملفات، ولأن نظام الأسد لا يشارك المعلومات حول من هم في سجونه، فلا توجد طريقة للتأكد من هوية المفقودين، ولا لتقديم المعلومات والدعم للعائلات، ولا حتى لجمع معلومات كافية لتكون قادرة على مطالبة نظام الأسد بالسماح بالوصول إلى أماكن الاحتجاز.

ومع ذلك، ففي حين أن فكرة إنشاء آلية جديدة كانت واردة في مخيلة المؤسسات الدولية لبعض الوقت، وبينما تحظى الفكرة الآن بتأييد على أعلى المستويات، حيث أصدر الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا طرح الفكرة في شهر أغسطس، واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا بشأن الآلية في الأسبوع الماضي فقط، إلا إنها لا تزال فكرة لم يحن وقتها.

ليس لأن تلك الفكرة لن تفيد في قصة العثور على إجابات للمختفين، ولكن لأنها ستضع مقود القيادة في أيدي النظام.

وأي مؤسسة من هذا القبيل لن تعمل إلا وفقا لأهواء النظام السوري وكما يرتضيه، إن سياسة الاختفاء القسري هي سلاح لن يتخلى عنه النظام بسهولة.

إن حالات الاختفاء ليست هفوة ارتكبتها دولة تخوض حربا، بل هي واحدة من أقوى أسلحة النظام لإسكات المعارضة والمنشقين، إن النظام ليس الجماعة الوحيدة على الأراضي السورية المتهم بالاختفاء القسري، فقد اتهمت كل الجماعات تقريبا من هيئة تحرير الشام إلى قوات سوريا الديمقراطية إلى داعش بالطبع، لكن العدد الأكبر من أولئك الذين اختفوا كانوا في مناطق النظام.

والسبب في أن الاختفاء القسري سلاح فعال للسيطرة على الشعوب هو أن اختفاء شخص ما، على سبيل المثال والد الأسرة، لا يؤثر فقط على ذلك الشخص، ولكن له تأثير على الأسرة برمتها، التي تعتمد على النظام للحصول على إجابات، وبدون وجود إجابات أو جثة لدفنها، لا يمكن للعائلة المضي قدما، ولا يمكنهم بيع الممتلكات، على سبيل المثال، أو الحصول على مبلغ التأمين.

وهذا ليس سلاحا سيتخلى عنه النظام بسهولة، وبالتأكيد ليس إذا كان ذلك يعني أساسا الاعتراف بالجرائم التي قد تضع النظام أمام قاضي المحكمة، وهنا يتضح الخلل الرئيسي في فكرة أي آلية جديدة لحالات الاختفاء، لأن جعل الآلية تعمل في الواقع سيكون متروكا للنظام.

وحتى الأمم المتحدة اعترفت بذلك، حيث أشارت في تقريرها “إلى أن تحصل الآلية الجديدة على دعم [الحكومة السورية]، فإنها ستخضع لقيود مماثلة على الأراضي مثل اتفاقية المفوضية السامية لحقوق الإنسان” وهذه إشارة إلى مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة تهدف إلى الإبلاغ عن حالة حقوق الإنسان داخل سوريا ومراقبتها، ولكن هذا يقتصر في الواقع على بيروت.

والواقع أن النظام لن يضطر إلى الامتثال للآلية الجديدة لكي يعمل فحسب، بل سيحتاج أيضا إلى الموافقة على “التفويض الدولي” الذي تخيلته الأمم المتحدة لهذه الآلية الجديدة وهو أمر قد ترفضه حتى الدول غير المشاركة في الحرب، مدعية انتهاك السيادة الوطنية، بالنظر إلى أن جميع المتورطين في القضية هم مواطنون سوريون.

والأسوأ من ذلك هو أن النظام السوري لن يكون قائد تلك الآلية، حيث لا يشير تقرير الأمم المتحدة إلى من يجب أن يقود (“أو يشارك في قيادة العملية”) ولكن من المستحيل تخيل أن النظام سيقبل أي سلطة أخرى غير الحكومة السورية أو حليف مقرب، وهو ما يضع الآلية في الوضع الدائري حيث يقوده النظام آلية تهدف إلى التحقيق في جرائمه، وهي الجرائم التي يُنكرها.

وفي الواقع، يمكننا بالفعل تخمين كيف سيتعامل النظام مع هذه الآلية الجديدة، على افتراض أنه لن يتجاهلها تماما، حيث تعمل الحكومة السورية مع هيئات خارجية، مثل الصليب الأحمر، وبينما سمح النظام بدخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد، وسمح للمجموعات الدولية بالعمل، إلا أنه يتعامل معها بطريقة مُسيسة للغاية، حيث يغلق الحدود من دون سابق إنذارـ أو يرفض مرور الوفود عند نقاط التفتيش، وهذه هي بالضبط الطريقة التي سيتعامل بها النظام مع أي آلية جديدة.

ليس من المستغرب، بعد مضي سنوات عديدة من الحرب، أن يبحث المجتمع الدولي عن أي طريقة لتحقيق بعض التقدم في الملف السوري. لكن الآلية الجديدة ليست هي الحل، إن هيئة جديدة في سوريا لن تقدم إجابات لآلاف المختفين، ولكن حكومة جديدة في سوريا قد تكون قادره على توفير تلك الإجابات.

 

يكتب فيصل اليافعي حاليا كتابا عن الشرق الأوسط، وهو معلق منتظم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وقد عمل في منافذ إخبارية مثل “الجارديان” و”بي بي سي” ونشر تقارير عن الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.

تويتير: @FaisalAlYafai