زيادة تكلفة الوجبات السريعة يعود بفوائد صحية

جوناثان جرونال

في ظل انتشار الحيل الدعائية، لم يكن مفهوما السبب وراء إصدار شركة “ماكدونالدز” عملة معدنية كمظهر من مظاهر الاحتفال بمرور خمسون عامًا على إطلاق شطيرة “بيج ماك” في الأسواق، فالفكرة بسيطة للغاية، فقط قم بشراء شطيرة “بيج ماك” وستحصل على عملات معدنية يمكنك استبدالها بشطيرة “بيج ماك” أخرى، وكان الهدف من تلك الفكرة هو الإشادة بدور شطيرة “البرجر” المشهورة باعتبارها مقياس للقوة الشرائية – وهي فكرة رائعة لم يلتفت لها قطعًا معظم رواد سلاسل مطاعم الشركة ذات الأقواس الذهبية.

انقضى اثنان وثلاثون “32” عامًا على إطلاق مجلة “ذي إيكونومست” مؤشر “بيج ماك”، “وهو دليل إبداعي يحدد مدى ثبات قيمة العملات في مستواها “الصحيح”. ويستند هذا المؤشر إلى تكافؤ القوة الشرائية، كما أن النظرية التي تقول بأن” أسعار صرف العملات على المدى الطويل يجب أن تتجه نحو الأسعار التي تعادل أسعار البرجر في أي دولتين.” لم تكن مطلقًا أكثر من مجرد أداة الهدف منها توضيح نظرية أسعار صرف العملات”، وأصبح مؤشر “بيج ماك” مقياسًا معياريًا عالميًا ومازال مستخدمًا حتى يومنا هذا. وبوجه عام، يوضح لنا هذا المؤشر الحقيقة التي نعرفها فعليًا وهي أن الدولار الأمريكي سيد العملات، ويخبر، بصفة خاصة، الأفراد في مختلف الدول عن نسبة التباين في الأسعار لشراء “بيج ماك”.

ولنأخذ على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة حيث، وفقًا للمؤشر الحالي، تبلغ تكلفة شطيرة “بيج ماك” أربعة عشر “14” درهمًا مقابل 5,51 دولار أمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يدل على أن سعر صرف العملة الإماراتية مقابل الدولار الأمريكي هو “2,54” درهم إماراتي. وفي حقيقة الأمر، يبلغ سعر الصرف الفعلي للدرهم الإماراتي مقابل الدولار الأمريكي “3,67” درهم، ومن الفرق بين سعري الصرف نستنتج أن قيمة الدرهم الإماراتي مقابل الدولار دون قيمته الفعلية بنسبة “30,8%”.

وهذا أمر غير سيئ مقارنة ببقية دول الشرق الأوسط، ففي الكويت، يشير سعر شطيرة “بيج ماك” (1,05 دينار) إلى أن قيمة الدينار تقل عن قيمته الفعلية بنسبة “37%”، حتى أن العملات الأخرى في المنطقة أسوأ حالاً من هذا، ومنها الريال القطري (يقل عن قيمته الحقيقية بنسبة “40,2%”)، والريال السعودي (يقل عن قيمته بنسبة “41,9%”)، والدينار البحريني (يقل عن قيمته بنسبة “42,6%”)، والريال العماني (يقل عن قيمته بنسبة “50,5%”)، بينما يقل الجنيه المصري عن قيمته بنسبة كبيرة وهي “68,2%”.

وبمعنى آخر، يدفع محبو شطائر البرجر في الشرق الأوسط أكثر من المتوقع للحصول على شطائر البرجر التي يحبونها. ومن وجهة نظر اقتصادية شخصية، من الصعوبة بمكان تصديق هذا الأمر، غير أنه ومن منظور الصحة العامة، قد يحدث هذا فقط بطلب من الطبيب.

إن الوجبات السريعة واحدة من أكثر الأعداء ضراوة في المعركة المستمرة ضد الأمراض الوبائية كالسمنة والسكري وأمراض القلب والتي تعصف باقتصاد دول الخليج الأكثر ثراء. وتشير إحدى النظريات الاقتصادية إلى أن ارتفاع سعر أي منتج يؤدي في نهاية الأمر إلى تقليل الطلب عليه، ومازالت الحكومات المعنية بمواجهة المشاكل الصحية في البلاد تفرض الضرائب على الأطعمة غير الصحية.

وحتى الآن، لاتزال المشروبات السكرية هي المنتجات الرئيسية التي تستهدفها الضرائب، غير أن الضرائب في مجمل الأمر لم تؤدي إلى تقليص الاستهلاك. في العام 2012، فرضت فرنسا ضريبة على المشروبات الغازية فزادت أسعارها بنسبة “4,5%” وقل استهلاكها بنسبة “3,3%”، وفي العام 2014، فرضت المكسيك الضريبة نفسها على المشروبات السكرية فانخفض استهلاكها بنسبة “10%”، بينما زادت مبيعات المشروبات الصحية البديلة غير الخاضعة للضريبة كالمياه المعبأة والحليب بنسبة “7%”.

وحتى الآن، تتجنب الحكومات فرض ضرائب على الوجبات السريعة لأنها خطوة غير مقبولة من الناحية السياسية وقد تؤثر تأثيرًا متفاوتًا على العائلات الأشد فقرًا. ورغم ذلك، تشير الإحصائيات المُعدة آليًا إلى أن الحكومات تغفل عن الأسلحة الفعالة في ترسانة الصحة العامة. وتطرقت إحدى الدراسات التي أُجريت في المملكة المتحدة في العام 2000 إلى الآثار المترتبة على فرض ضريبة قيمة مضافة نسبتها “17,5%” على جميع مصادر الدهون الغذائية وإلغاء الضرائب عن الأطعمة ذات المستويات الطبيعية من الكوليسترول، وكانت النتيجة انخفاض حصة المواطنين من السعرات الحرارية بنسبة “0,67%”، وانخفاض أمراض القلب بنسبة تصل إلى “2,6%”، ومنع ما يصل إلى 2,500” حالة وفاة مبكرة كل عام.

تطبق دول الخليج فعليًا مبادراتها لمراقبة الأسعار، غير أنه لم يتضح بعد ما إذا كان ضريبة القيمة المضافة ورسوم الإنتاج المفروضة مؤخرًا على المشروبات السكرية في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ستؤدي إلى تخفيض الاستهلاك في تلك الدول الغنية أم لا.

ومن غير المؤكد أيضًا ما إذا كانت الزيادة المفاجئة والكبيرة في أسعار جميع الوجبات السريعة بسبب تطبيق ضريبة القيمة المضافة في دولة الإمارات العربية المتحدة في يناير بنسبة “5%” فقط سيكون لها تأثيرها على المبيعات أم لا. وبالنظر إلى التكلفة الفعلية لشطيرة “بيج ماك”، على سبيل المثال، والتي تعد تكلفة مرتفعة نسبيًا، فسنجد أنه بالطبع لن تكون الأمور كما تبدو عليه، حيث أن فرض الضريبة كان جزءًا من خطط متواصلة في أنحاء دول الخليج لتحديث الاقتصاد في تلك الدول التي قد لا يمكنها فيما بعد الاعتماد على إنتاج النفط لتحقيق النمو والرخاء.

ومع طرح فكرة فرض الضرائب على الأغذية، تكون حكومات دول الخليج قد وضعت يدها على سلاح قد لا يقدر بثمن في سعيها لإنقاذ الأجيال القادمة من أمراض السمنة والسكري وأمراض القلب، وحماية بلدانها من تلك التكاليف التي لا يمكن السيطرة عليها في نهاية المطاف والتي يلزم توفيرها لحماية مواطنيها من تلك الأمراض.

ولكن إذا اختارت الحكومات مواجهة كبرى شركات الوجبات السريعة فعليها استنفار جميع ما لديها من أسلحة.

شهدت شركة “ماكدونالدز” تطورًا سريعًا على مدار السنوات القليلة السابقة، وذلك بتأقلمها واستمرارها أثناء الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بكبرى الاقتصاديات. وفي الوقت الذي تقدم فيه شركة “ماكدونالدز” وجباتها الرئيسية الغنية بالسعرات الحرارية تحت ستار الوجبات الصحية– إلا أننا لن نجد من يذهب فعليا إلى “ماكدونالدز” للحصول على سلطة الدجاج؟ – ونجد أن الشركة تجدد منافذ بيعها بأكشاك رقمية لشراء المنتجات، وطاولة للانتظار فضلاً عن أجهزة “آي باد” المزودة بألعاب للأطفال، ولم يكن الهدف من هذا التجديد إلا جذب الأشخاص لقضاء نصف ساعة في تناول شطيرة “بيج ماك”، ولاسيما الشطائر التي تُباع بالعملات المعدنية المجانية.

ولم يُعرف بعد مقدار الزيادة التي من المفترض إقرارها على منافذ الوجبات السريعة قبل أن يبدأ حماس عملاء الشرق الأوسط من متوسطي الدخل أو غير المكترثين بالأسعار في التراخي تجاه تلك الوجبات السريعة. والمؤكد هو أن شطيرة “بيج ماك” ذات الـ”508″ سعر حراري تمنح الشخص البالغ ربع السعرات الحرارية التي يحتاج إليها الجسم يوميًا، وأكثر من السعرات الحرارية التي يحتاج إليها الأطفال.

إن النماذج التي صممها الاقتصاد الغربي لقياس أثر الأسعار مجرد نموذج يصعب القياس عليه، بينما المطلوب الآن هو إعداد بحث يلائم المشهد الاقتصادي في المنطقة – فضلاً عن حكومة عازمة على تحقيق النتائج المرجوة وزيادة تكلفة الوجبات السريعة.

Joe Raedle/Getty Images/AFP