أوروبا تحتاج لغير الحلول الأمنية لمعالجة الهجرة غير الشرعية 

أسامة رمضاني

Image courtesy of Fadel Senna / AFP

تتواصل مواكب الموت التي تنهي أحلام المهاجرين غير الشرعيين الساعين بكل السبل لمغادرة بلدان المغرب العربي وبقية إفريقيا من أجل الوصول إلى أوروبا. تتواصل المأساة ولا تبدو نهايتها قريبة.

خلال الستة أشهر الأولى فقط من السنة الحالية لقي حوالي ألف مهاجر حتفهم وهم يحاولون بلوغ جزر الكناري. و زادت الحصيلة المأسوية هذا الأسبوع بموت ثلاثة مهاجرين أثناء محاولة فاشلة لعبور الحدود المغربية . و في جهة أخرى من القارة عثرت السلطات الليبية هذا الشهر على جثث 15 مهاجرا كانوا على ما يبدو يحاولون التسلل عبر الحدود  بين السودان وليبيا بغية الوصول من هناك إلى أوروبا.

وفي مواجهة المشكلة لا يزال الاهتمام مركّزا بشكل شبه كلي على عمليات المنع من العبور وإنقاذ المهاجرين غير الشرعيين من الهلاك سواء في الصحاري أو عرض البحر. وفي غياب العزيمة المشتركة والرؤية بعيدة المدى لدى المجموعة الدولية، وخاصة منها البلدان الأوروبية،  تبدو الأسباب العميقة للمشكلة بعيدة كل البعد عن الأذهان.

تنظر أوروبا للموضوع أساساً من زاوية أمنية. وقد استغلت المجموعة الأوروبية الهشاشة الاقتصادية والسياسية  لبلدان المغرب العربي من أجل ضمان تعاون هذه البلدان معها على هذا الملف.  في هذا الإطار أدرج الاتحاد الأوروبي التضييقات على الهجرة ضمن بنود اتفاقياته المبرمة مع دول شمال إفريقيا. ولكن هذه التضييقات جعلت الهجرة غير القانونية في نهاية المطاف أكثر خطورة وإن كانت أدت أيضا الى تدفق أرباح أكبر على المهربين . ولكنها لم تحد من تدفق المهاجرين.

وإذ كثفت البلدان الأوروبية والمغاربية من إجراءاتها الأمنية في وسط وشرقي المتوسط تحولت موجات الهجرة غير الشرعية تدريجيا نحو الجهة الغربية من حوض المتوسط. وأظهرت الإحصائيات أن حوالي 18 ألف مهاجر دخلوا أوروبا مروراً بالحدود المغربية الإسبانية خلال النصف الأول من السنة الماضية مقابل 14 ألف عبروا إلى أوروبا عن طريق بلدان وسط البحر الأبيض المتوسط.

وتبعاً لتشديد المغرب وإسبانيا لإجراءات المراقبة الحدودية أصبح ثلثا المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء  يمرون إلى أوروبا عبر جزر الكناري رغم المخاطر المحدقة.

في الأثناء فقدت المقاربة الأوروبية الكثير من مصداقيتها بعد أن ركزت بلدان المجموعة على جملة من الحلول كانت تراها ذات مردود سريع تركزت على نقل جهود محاربة الهجرة غير الشرعية إلى خارج الحدود الأوروبية وذلك بإقامة مراكز لاعتقال وفحص هويات المهاجرين غير الشرعيين على تراب بلدان شمال إفريقيا،  وهو ما رفضته هذه البلدان.

كما لم تتردد بعض البلدان الأوروبية وخاصة إيطاليا في إبرام اتفاقات مع الميليشيات والمهربين من أجل وقف تدفق الهجرة غير الشرعية. وأنفقت المجموعة الأوروبية منذ 2015 إعتمادات مالية قدرها 500 مليون دولار لتمويل عمليات لحرس الحدود والميليشيات غير المنضبطة في ليبيا ، رغم أن العديد من نقاط الاستفهام  كانت ومازالت تحوم حول هذه العمليات والخروقات التي تشوبها.

لم تكن الصورة كاملة لدى أوروبا في مقاومتها الإرهاب في منطقة الصحراء والساحل كما أن رؤيتها بقيت دوماً منقوصة في مواجهتها للهجرة غير الشرعية. فالمسائل الأمنية رغم خطورتها هي في الواقع انعكاس لجملة من العوامل المتنوعة لا بد من أخذها بعين الاعتبار. هناك في مقدمتها عامل التغير المناخي الذي ظهرت علاماته من خلال انتشار مظاهر الجفاف والتدهور البيئي التي تسببت في تفاقم الجوع والهجرة والنزوح في العديد من المناطق الافريقية.

ويتوقع البنك الدولي أن يكون هناك في إفريقيا من الآن وحتى سنة 2050 حوالي 86 مليون “مهاجر بسبب التغير المناخي”.

وقد زاد في تفاقم هذه الأزمة ضعف الحوكمة ونزعات الحكم التسلطي ومظاهر عدم الاستقرار السياسي إضافة إلى حركات التمرد.

إن البحث عن حلول دائمة للهجرة غير الشرعية يحتاج إلى تعديل عميق للرؤية الغربية نحو الابتعاد عن التركيز المبالغ فيه على المنافسة مع روسيا  والصين من أجل النظر إلى أوضاع بلدان المغرب العربي وإفريقيا حسب اعتباراتها الذاتية قبل كل شيء.

ويعني ذلك الالتزام على المدى البعيد بدعم مشاريع التنمية التي يمكن أن تبعث الأمل لدى الأجيال الشابة في أن لها مستقبل لها بلدانها.  و لكن ذلك سوف يحتاج طبعا لتخصيص اعتمادات هامة لإنقاذ الاقتصاديات المنهارة للبلدان الإفريقية  وليس فقط تمويل عمليات مراقبة الحدود ومنع الهجرة غير القانونية.

غير أن بلدان الاتحاد الأوروبي تبدو في الوقت الحالي منشغلة بشكل شبه كامل بالحرب في أوكرانيا ، وهي مستعدة لتخصيص مليارات اليورو لعمليات الإعمار وإعادة البناء خلال فترة ما بعد الحرب. وأصبح اليوم الحديث عن خطة مارشال خاصة بإفريقيا أو المغرب العربي مجرد سراب بعد أن تبخر الاهتمام ببلدان المنطقة.

وتتحمل بلدان المغرب العربي ذاتها جانباً من المسؤولية. فقد بقيت بانقساماتها غير قادرة على إعداد استراتيجيات مشتركة ومتكاملة أو حتى تنسيق سياسات الهجرة فيما بينها. وعلى سبيل المثال اتبعت الجزائر سياسة متشددة تجاه الهجرة غير الشرعية بلغت أحياناً حد الطرد الجماعي و القسري للمهاجرين . وفي نفس الوقت سعت المغرب إلى تعزيز مصداقيتها في القارة الإفريقية خاصة بعد عودتها للاتحاد الإفريقي. وبادرت من هذا المنطلق لتسوية أوضاع ما يقارب 50 ألف مهاجر إفريقي غير شرعي من جنوب الصحراء وهي تحتضن حوالي 12 ألف طالب إفريقي.

أما تونس فقد حاولت التأقلم مع الضغوطات الأوروبية في معالجة المسائل المرتبطة بمنع الهجرة غير الشرعية والقبول  بعودة التونسيين  الموجودين في أوضاع غير قانونية على التراب الأوروبي. وسعت بشكل عام للتعامل مع المستجدات حالة بحالة.

أما في ليبيا فقد وجد المهاجرون الأفارقة أنفسهم  يواجهون مظاهر الفوضى والعنف وهم يسعون للانطلاق من التراب الليبي نحو شواطئ أوروبا.

في نهاية التحليل لا يبدو أنه من الممكن معالجة ملف الهجرة والمهاجرين في شمال القارة الإفريقية بشكل أفضل قبل حدوث تحسن نوعي في العلاقات المغاربية وخاصة التوصل إلى حل لمشكلة الصحراء الغربية. و ذلك سوف يحتاج على الأرجح إلى وقت طويل.

في هذه الأثناء يبقى التوجس سيد الموقف. ومن الأمثلة على ذلك توجيه البعض في المغرب لإصبع الاتهام نحو الجزائر بعد محاولة حوالي ألفي مهاجر عبور الحدود المغربية الإسبانية بطريقة غير شرعية منذ أسابيع قليلة مما تسبب في موت 23 من بينهم. وارتفعت أصوات في المغرب لتتهم السلطات الجزائرية بتوظيف المشكلة من أجل الضغط على المغرب وإسبانيا.

والخوف الآن أن يؤدي استمرار تدفق‎‎ المهاجرين غير الشرعيين على الحدود المغربية الإسبانية إلى تكرر المأساة. والكثيرون في المغرب يعتقدون أنه من الأولى بالنسبة لمدريد أن تخصص اعتمادات أكبر للمساعدة الاقتصادية لفائدة بلادهم وأن تشجع على الاستثمار في المناطق  الحدودية شمال المملكة بما يقلل من تأثير شبكات التهريب و تداعيات الاقتصاد غير النظامي.

وعلى صعيد آخر وإن كان ذا علاقة، تجد البلدان المغاربية نفسها اليوم تواجه أوضاعا جديدة نتيجة تحولها من بلدان عبور إلى بلدان هجرة دائمة للآلاف من الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء. ومما يعقد الأمور الاحترازات التي يعرب عنها البعض داخل المجتمعات المغاربية تجاه هؤلاء المهاجرين. وتنشأ عن الأفكار المسبقة والنعرات العنصرية المتولدة عن ذلك توترات لا تكاد تخفيها التأكيدات الرسمية على المصير المشترك للأفارقة شمال القارة وجنوبها والالتزامات الإنسانية تجاه المهاجرين.

بالنظر إلى الاتجاهات الديموغرافية الخاصة بها ، يمكن لأوروبا أن تخفف قيودها على الهجرة المنظمة بما يتجاوز جهودها الانتقائية لجذب آلاف الأطباء والمهندسين من المغرب العربي وأجزاء أخرى من إفريقيا.

ومن الهام أيضا أن تتعزز القناعة لدى الجميع وخاصة أوروبا بأن ترك مشكلة الهجرة غير الشرعية بين أيدي حرس الحدود لوحدهم لن يحل المشكلة. فذلك التمشي يعكس بكل تأكيد رؤية قصيرة الأمد ومحكوم عليها بالفشل.

 

أسامة رمضاني هو رئيس تحرير ذي أرب ويكلي، وعمل سابقًا في الحكومة التونسية و في مناصب دبلوماسية في واشنطن.