الجدار الحامي للأوربيين من الجهاديين بدأ في التصدع

فيصل اليافعي

AFP photo: Laura Lean

أدى بشار الأسد اليمين الدستورية لولاية رابعة في تاريخ 17 يوليو، ويعني ذلك أنه قد أمضى أسبوعًا طيباً. وتلك هي الانتخابات الثانية التي فاز بها، ويجب وضع كلمة “فاز” بين قوسين كبيرين. ففي نفس اليوم ، بدأ عشرة أطفال وست أمهات من معسكر اعتقال الجهاديين في شمال سوريا حياة جديدة في بلجيكا، وذلك الرقم هو لأكبر عدد من أعضاء داعش المشتبه بهم الذين أعيدوا إلى دولة أوروبية منذ انهيار التنظيم المتشدد قبل عامين. وللوضع البلجيكي اهمية بالغة، لأنه يمثل أكبر خرق لـ “جدار الحماية” الأوروبي الذي يوقف عودة مقاتلي داعش المسجونين وعائلاتهم منذ انهيار التنظيم.

وللموضوع أهمية بالغة خاصة لبلجيكا، التي كان لها نصيب الأسد فيما يخص عدد المقاتلين الأوروبيين في صفوف النظام الداعشي البدائي بالرغم من عدد سكانها الصغير نسبيًا. كما كانت رابع أعلى دولة من حيث الأعداد الاجمالية. فلم ترسل أي دولة أعداد أكثر ما عدا فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وهذه الدول الثلاث هي الأكثر معارضة للترحيب بعودة مواطنيها من معسكرات الاعتقال التي يديرها الأكراد في سوريا. (والأرقام هنا تقديرية، لكن هذه الدول الثلاث أرسلت بالتأكيد ما لا يقل عن نصف الخمسة آلاف أوروبي الذين يُعتقد أنهم انضموا لداعش).

وقد قبلت ألمانيا ثلاث أمهات فقط، لكن فرنسا والمملكة المتحدة لم تقبل سوى بعودة الأيتام، وكلتا الدولتان تخوضان معركة قانونية علنية لمنع إحدى مواطنيها، شميمة بيغوم من العودة إلى أراضيها. ولم يقبل أي من البلدين مطلقًا أي محتجز بالغ من معسكرات الاعتقال. حتى أن فرنسا تصر على بقاء الأمهات في المخيمات إذا رغبن في إعادة أطفالهن إلى الاراضي الفرنسية، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كان أي من المعتقلين قد وافق على ذلك.

وبداية اتبعت بلجيكا نفس السياسة، وقامت بقبول الأطفال فقط، لكنها فيما بعد اظهرت شيء من اللين. ومع بدء بلجيكا في إعادة البالغين إلى ارضيها سيزداد الضغط على جيرانها لفعل الشيء ذاته، مع العلم أن هناك ما يصل إلى 400 منهم في شمال سوريا.

ويُعد عودة المواطنين الأوروبيين الذين انضموا لداعش إلى ديارهم في القارة العجوز، كابوس يؤرق الحكومات الأوربية. و القضية البلجيكية هي قطرة المطر الأولى التي يليها سيل جارف، فحسب التسلسل الهرمي للمعتقلين يمكن للراي العام الأوربي قبول أولاً الأيتام والأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار، ثم بعد ذلك أولئك الذين يزعمون أنهم ليسوا مقاتلين أو كانوا تحت الإكراه، ويطلق عليهم “العرائس الجهادية” ، وأخيراً المقاتلون البالغون.

وينتاب الحكومات الكثير من التوجس والخوف، وهو شعور مبرر. حيث إنه بمجرد اختراق جدار الحماية الخاص بقبول البالغين، فيجب إعادة مئات المعتقلين. حتى لو تمت مقاضاتهم في المحاكم الأوربية، فإن هناك الكثير من التعقيدات المصاحبة لكل قضية، كما سيتم عقد تلك القضايا على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام، التي ستقوم برصد كل حكم مخفف وكل تبرئة وكل رفض للندم كل ذلك قد يشكل عاصفة سياسية

ويعود الفضل في تصدع جدار الحماية جزئيًا إلى الضغوط الأمريكية. فعندما زار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين أوروبا في أول زيارة لجو بايدن الشهر الماضي، وصف علنًا رفض دول الاتحاد الأوروبي لاستعادة مواطنيها بأنه “لا يمكن الدفاع عنه”.

والضغوطات الأمريكية على الدول الأوروبية لإعادة المعتقلين هي أحد السياسات القليلة لإدارة ترامب التي واصلت حكومة بايدن اتباعها. وقد هدد دونالد ترامب ذات مرة بـ “إطلاق سراح [مقاتلي داعش] في البلدان التي أتوا منها”، في حال لم تستقبلهم الدول الأوروبية.

وفي خضم هذه الأحداث، هناك صراع ما بين أجهزة المخابرات الأوروبية من جانب والجيش الأمريكي من جانب أخر. حيث نرى أن أجهزة المخابرات الأوربية تشعر بالقلق إزاء التكلفة الباهظة لمراقبة مئات المقاتلين والزوجات والأطفال، ومعظمهم لن يُحاكموا بسبب ضعف مستوى الأدلة في ساحة المعركة. بينما الجيش الامريكي قلق من أن أولئك الذين بقوا في المعسكرات سيصبحون في النهاية مشكلة عسكرية سيُطلب منهم التعامل معها، مع العلم أن الولايات المتحدة أرسلت عددًا قليلاً نسبيًا من المقاتلين.

وتلعب تركيا دوراً في تصدع جدار الحماية الواقي لأوروبا من عودة الجهاديين. فاعتبارًا من نهاية عام 2019، اتخذت تركيا موقفًا أكثر حزماً تجاه مقاتلي داعش وعائلاتهم داخل تركيا، وقامت بترحيل المحتجزين في سجونها إلى ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، من دون سابق إنذار أحيانًا. وبمجرد قبول هذه الدول لمبدأ إعادة المعتقلين من تركيا، أصبح من الصعب عليها القول بأنه لا ينبغي عليها أيضًا قبول المحتجزين على بعد بضع كيلومترات من الحدود التركية.

وكانت الحكومات الأوروبية تأمل ولسنوات عديدة في اختفاء المشكلة، أو على الأقل تأجيلها لفترة طويلة حتى تصبح مشكلة شخص آخر. ولكن الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة، فضلاً عن إعادة المواطنين البلجيكيين، سيغير الحسابات بشكل كبير. فعاجلاً أم آجلاً، سيتعين على معظم المواطنين الأوروبيين مغادرة شمال سوريا.

وهذه أخبار سارة لنظام الأسد. فمنذ بداية الانتفاضة عليه، سعى النظام إلى “تحويل” تكاليف الحرب على حساب الشعب. فقد فر ملايين السوريين وأصبحوا لاجئين في الخارج. والآن أولئك الذين جاءوا من الخارج للقتال في سوريا، هم على وشك المغادرة.

وهناك أيضا فائدة سياسية خبيثة يسعى لها للنظام. فمع خروج القوات الأمريكية من الحدود، وإعادة المواطنين الأوروبيين، لن يكون لدى الدول الغربية أسباب للاهتمام بما يحدث في شمال شرق سوريا. تحديداً المنطقة الكردية وهي واحدة من منطقتين فقط في البلاد خارجة عن سيطرة النظام. وسيشن الأسد حرب لاستعادتها، وقد تعهد بذلك مرة أخرى في خطاب تنصيبه، وسيتم شن تلك الحرب بسهولة بمجرد عودة مواطني أوروبا غير المرغوب فيهم إلى ديارهم.

يقوم فيصل اليافعي حاليًا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق منتظم على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. كما عمل لمنافذ إخبارية مثل The Guardian و BBC ، وكتب تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا