الفوضى التي تعاني منها أوروبا تدفع بإيران وتركيا للبحث عن شركاء جدد… وهنا يأتي الدور الصيني

فيصل اليافعي

AFP Photo: Handout/Iranian Army

أثار الإعلان المفاجئ في يوليو أن إيران تتفاوض لإبرام اتفاقية ثنائية شاملة لمدة 25 عامًا مع الصين صدى هائلًا في عواصم الشرق الأوسط والدول الأوروبية لمدة شهرين حتى الآن، وتعُد تلك الاتفاقية في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبل إيران الاستراتيجي، كما أنه لا يمكن لأي عامل من عوامل السياسة الداخلية أن يقوم بتقويضها، والواقع أن نتائج الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية الإيرانية والتي جرت الأسبوع الماضي أكّدت على هذا الأمر، ومع استمرار الأغلبية المُحافِظة في البرلمان كما هي – المحافظون على مستوى البلاد عادة ما يكونوا متشككين تجاه اي تفاعل مع الغرب – فإن الموت الطويل والبطئ الذي يعاني منه التقارب الإيراني الوليد مع الغرب بات في مهب الريح.

وتركيا تشهد ذات الموقف، حيث تصاعدت الحرب الكلامية بين أنقرة وشركائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لتتصعد إلى أفعال ملموسة – واليونان التي تعاني من نقص في السيولة أعلنت لتوها عن أكبر صفقة للحصول على الأسلحة خلال القرن الحالي.

وما تسبّب في تلك التطورات التي استمرت لسنوات هو حالة الفوضى العامة التي تعيشها أوروبا، وعلى الرغم من أن قادة إيران وتركيا طالما يتحدثون عن الاستقلال السياسي إلا أن الواقع يقول أن كل منهما يحتاج لشركاء، وكل من طهران وأنقرة يأملان في أن يجدا هؤلاء الشركاء في أوروبا، لكن أوروبا مشغولة للغاية في الصراعات الداخلية فلا يوجد لديها وقت لبحث الأمور التي تجري خارج حدودها، وفي ظل غياب مسار واضح للأوروبيين فقد بدأت إيران وتركيا في البحث عن مسار جديد لا علاقة له بأوروبا.

ولسنوات قام التيار المعتدل في إيران بقيادة الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف بدفع الدول الأوروبية للوقوف بوجه الولايات المتحدة واستمرار العمل بالاتفاق النووي الذي تم التفاوض بشأنه بين إيران والقوى الدولية.

لكن الدول الأوروبية التي تعاني من مشكلات داخلية لديها أسباب تمنعها من معاداة البيت الأبيض والوقوف إلى جانب إيران، فهناك لندن، على سبيل المثال، التي تضع عينها على الصفقات التجارية المستقبلية مع الولايات المتحدة. وثانيًا، هناك باريس التي وجدت نفسها في مواجهة التدخل الإيراني في دول مثل ليبيا، حيث هناك مصالح فرنسية، أما برلين التي تصارع بسبب قرب نهاية حكم ميركل، فقد باتت مشتتة للغاية.

وقد أدت تلك التطورات مجتمعة إلى خروج تصريحات باهتة وحالة من التراخي بشكل عام، وهناك مثال على ذلك: خلال الأسبوع الماضي نجحت تلك الدول الثلاث أخيرًا في الوصول لاتفاق هزيل يخص “التراجع” عن فرض العقوبات على إيران: وقد وافقت تلك الدول على الامتناع عن إعادة فرض تلك العقوبات وإجراء مناقشات في الأمم المتحدة لاحقًا خلال الشهر الحالي، وتعُد تلك قرارات هزيلة أعقبت شهور من المناقشات، حيث كان التيار المعتدل في إيران يأمل على مدار سنوات في الإقدام على قرارات حازمة وقاطعة.

وفي غضون ذلك، بات الاقتصاد الإيراني يصارع من أجل البقاء، حيث خسرت طهران مليارات الدولارات من عائدات النفط منذ أعادت واشنطن فرض تلك العقوبات منذ أقل من عامين، لذا ليس هناك غرابة في أن تلجأ إيران إلى القوة العظمى الثانية بحثًا عن الدعم.

وفي تركيا، فإن رجب طيب أردوغان وبأسلوبه الرنان والوطني يبحث عن مسار جديد لبلاده – شيئًا يجعل أي قائد تركي يدرك استحالة حصول بلاده على عضوية الاتحاد الأوروبي أن يلجأ لذات الخيار، والمسار الذي اتبعه أردوغان يعتمد على المواجهة بشكل كبير، والواقع أن أردوغان ينتهج سياسة المواجهة قبل وقت طويل من إعلان الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون قبل عامين تضاؤل فرصة تركيا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.

لكن فقدان تركيا للدعامة الرئيسية لسياستها الخارجية، والمتمثلة في السعي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي منذ العام 1987 جعل الأمر يستلزم أن تقوم بتحول رئيسي – وتبعات هذا التحول انعكست على منطقة البحر المتوسط.

ولو خرجت كل من إيران وتركيا من الفلك الاوروبي سيكون ذلك بمثابة خطأ استراتيجي يرتكبه الغرب سيكلفه الكثير، وتحالف إيران مع بيجين سيعمل على تقوية موقف إيران ويدفع بها للمواجهة مع باقي دول الشرق الاوسط، وسيجعل الصين تتحكّم في مجريات الأمور من البحر المتوسط وحتى بحر العرب.

واليوم باتت أوروبا مشتتة مما جعلها غير قادرة على اتخاذ قرار – مع وصول الأمر للتهديد المتبادل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي باللجوء لإجراءات قانونية، وفي جميع الأحوال، ومع ظهور فيروس كورونا (كوفيد-19) مجددًا، باتت الدول الأوروبية غير قادرة على اعتماد خطة مشتركة بشكل عملي تجاه أي من المشكلات.

وهناك عامل آخر لم يظهر بعد وهو جو بايدن، فقد نُشِر مقال يوم الأحد على موقع سي إن إن للمرشح الديمقراطي – ونائب الرئيس باراك أوباما خلا حقبة التفاوض حول الاتفاق النووي الإيراني – قال فيه إن البيت الأبيض تحت قيادته سيقدم لطهران “مسارًا موثوقًا لأجل العودة إلى الدبلوماسية” وأن واشنطن ستعود إلى الاتفاق النووي.

ويبدو أن هذا هو ما تنتظره العواصم الأوروبية، وإذا ما حدث تغيير في واشنطن، فربمايكون هذا بدفعة من الموقف الأوروبي، لكن الوقت والظروف ليسا في صالح الأوروبيين.

ومن جهة أخرى، هناك السياسة الداخلية الإيرانية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار، كما ثبت من النشاط الذي يقوم به التيار المحافظ قبل الانتخابات الرئاسية المقرر لها يونيو القادم، وستكون المنافسة شرسة من أجل خلافة روحاني، وهنا يثور تساؤل حول ما إذا كان بايدن قادرًا، حال انتخابه، على إقناع الإيرانيين بالوثوق في الولايات المتحدة في غضون أشهُر، وانتخاب أحد قادة التيار المحافظ في إيران سيؤدي إلى انعدام أية فرصة في التصالح مع واشنطن.

والعامل الثاني يتمثّل في استراتيجية مبسطة، وحتى ساسة إيران الذين يميلون للوثوق في واشنطن سيثار لديهم تساؤل حول أية اتفاقية نووية جديدة تلك التي تستحق توقيع طهران عليها، وبعد كل شئ فإن الولايات المتحدة قد تراجعت عن تلك الاتفاقية مرة، وقد أعلن بايدن أنه لن يستمر سوى فترة رئاسية واحدة، لذا من المتوقع أن تلجأ إلى إقامة علاقات مع الصين تستمر لمدة 25 عامًا بدلًا من التوقيع على اتفاقية مع الولايات المتحدة، وربما يتم التراجع عنها مجددًا بعد مرور 4 سنوات.

لذا فإن إيران وتركيا اللتان تعرضتا للصد من أوروبا بطرق مختلفة باتا يبحثان ولسبب واحد عن حلفاء جدد، وإذا ما باتت أوروبا على استعداد للتصالح ربما تجد إيران وتركيا قد قامتا بإقامة علاقات جديدة وطويلة المدى ومستقرة مع قوة دولية أخرى.

فيصل اليافعي يؤلف حالياً كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.