الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي، وخطورة انتشاره في المنطقة

دنيانيش كامات

AFP photo: Eduardo Soteras

إن الصراع بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والحكومة المحلية المتمردة في إقليم تيغراي لم يمتد إلى أجزاء أخرى من البلاد فحسب، بل تجاوز الحدود الإثيوبية. ومن ثم، بات الصراع المحلي الآن يزرع العنف في المنطقة المحيطة بإثيوبيا – وقد تزداد الأمور سوءًا.

ومن المؤكد أن الحزب الحاكم السابق لإقليم تيغراي هو الذي عجل بالصراع المحلي، ولكن أكثر اللوم يقع على رئيس الوزراء “آبي أحمد”. لقد أهدر “آبي” رأس المال السياسي الهائل المتاح له عندما تولى السلطة لأول مرة من خلال السعي وراء مشروع تعظيم الذات السياسي. وفي مسعاه النبيل الذي يهدف ظاهريًا إلى تحويل إثيوبيا إلى دولة ديمقراطية ليبرالية، تجاهل “آبي” تمامًا الحوار وبناء التوافق بين المجموعات العرقية المختلفة في إثيوبيا. وفي العام 2019، أصدر “آبي” قرارًا رسميًا بحل التحالف الحاكم لأحزاب قائمة على العرق، واستبدله بحزب “عموم إثيوبيا”، وحزب الازدهار، ونصب “آبي” نفسه رئيسًا لهذا الحزب. وأدى ذلك إلى نفور بعض من أقرب حلفائه، وزاد من تأجيج الفتنة العرقية في جميع أنحاء البلاد. والحقيقة، أنه قبل بدء الصراع الحالي، شهدت إثيوبيا واحدة من أكبر عمليات النزوح الداخلي في العالم.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، نزعت الحكومة الفيدرالية سلاح الجنود التيغرايين، وهم أكثر قوات الجيش تدريباً وتمرسًا على القتال، واستدعت الجنود الذين خدموا في الصومال. ولطالما كانت إثيوبيا هي الضامن لأمن حكومة الرئيس “محمد عبد الله محمد” المحاطة بالمشكلات. وسيكون لهذا القرار تداعياته المباشرة على استقرار الحكومة في مقديشو.

فمن شأن انسحاب القوات الإثيوبية تعزيز قوة حركة الشباب، وهو ما ينشر الفوضى، ويزيد من منطقة سيطرة الحركة في الصومال والمناطق المأهولة بالسكان الصوماليين في إثيوبيا وكينيا. وبفضل صلتها المعلنة بالقاعدة، تستطيع حركة الشباب الجريئة العودة مرة أخرى لشن الهجمات الانتقامية من المدن الكبرى في دول مثل أوغندا وكينيا وجيبوتي وبوروندي، وهي الدول التي أرسلت جنودًا إلى بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال. كما أن الحرب الأهلية الليبية قد عززت الإرهاب عبر منطقة الساحل من خلال سهولة الحصول على الأسلحة واختراق الحدود. وبالطريقة ذاتها، قد يكون انهيار الدولة في إثيوبيا وانتشار الفوضى في منطقة القرن الأفريقي سببًا في تأجيج الإرهاب في مناطق أبعد مثل موزمبيق وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

إن وجود حكومة ضعيفة في مقديشو من شأنه أن يعمق التوتر بين الحكومة في مقديشو والوحدات الفيدرالية الصومالية، والتي تشكل دولاً مستقلة من الناحية العملية، كما هو الحال في جمهورية أرض الصومال. وفي 24 يناير/ كانون الثاني، اندلعت اشتباكات بين القوات الموالية لمقديشو والقوات الموالية لجمهورية جوبالاند، وهي دولة اتحادية صومالية تتمتع بالحكم الذاتي ومدعومة من كينيا. وإذا ما استمر هذا التصعيد، فقد يجر إثيوبيا إلى صراعٍ مع كينيا.

وبسبب مسعاها إلى توسيع نفوذها في القرن الأفريقي لمواجهة إثيوبيا وتركيا، قد تنجر مصر أيضًا إلى صراع مستقبلي. وقد سعت القاهرة مؤخرًا إلى إنشاء قاعدة عسكرية في جمهورية أرض الصومال، وهو ما قد يؤدي إلى رد فعل تركي بعد ذلك، وهي التي تحتفظ، مثل إثيوبيا، بعلاقات عسكرية واقتصادية قوية مع الحكومة في مقديشو. وبسبب الحرب الأهلية المستمرة في إثيوبيا، قد تتحول منطقة القرن الأفريقي إلى منطقة الصراعات بالوكالة بين مختلف الدول الإقليمية التي تسعى إلى تصفية الحسابات مع بعضها بعضا.

والنزاع الآخر الدائر منذ فترة والذي نشب بسبب النزاع بين أديس أبابا وإقليم تيغراي هو النزاع بين السودان وإثيوبيا. وبسبب الصراع الداخلي في إثيوبي، تحركت القوات السودانية في ديسمبر/ كانون الأول حوالى 40 كيلومترًا داخل الأراضي التي كانت موطن نزاع ببين البلدين منذ فترة طويلة. ومنذ هذا الوقت، فقد انتشر العنف في تلك المنطقة. واتهمت السودان مليشيات الحكومة الإثيوبية بشن هجمات عبر الحدود في ديسمبر/كانون الأول، وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل خمسة مدنيين سودانيين على الأقل. ومنذ ذلك الحين، اتهمت السودان إثيوبيا بانتهاك مجالها الجوي، ودفعت السودان بقوات إضافية إلى المنطقة. وفي 25 يناير/كانون الثاني، اندلعت اشتباكات بالمدفعية على طول الحدود المتنازع عليها. ومن المحتمل أن يختار “آبي” تحسين تجربته السياسية المتردية من خلال إثارة صراع عسكري مع السودان. وفي السودان، يتنافس السياسيون والجيش على النفوذ بوصفهما يشكلان حكومة انتقالية هشة. وقد يكون الدفاع عن وحدة أراضي السودان هو ما يحتاجه الجيش لتعزيز مكانته بين المواطنين السودانيين العاديين.

والجدير بالذكر أنه منذ بدء التوترات على الحدود بين السودان وإثيوبيا، كانت ثمة موجة من المحادثات رفيعة المستوى بين الخرطوم والقاهرة. وفي 14 يناير/كانون الثاني، زار وفد عسكري سوداني القاهرة للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. لمناقشة التوترات مع إثيوبيا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، نفذت القوات الجوية لكلا البلدين تدريبات مشتركة. وتستطيع القاهرة استغلال التوترات الحالية بين السودان وإثيوبيا للضغط على أديس أبابا بشأن قضية سد النهضة الإثيوبي الكبير، وهي القضية التي تراها القاهرة تهديدًا وجوديًا لها، ولا يوجد حتى الآن اتفاق بشأنها بين مصر وإثيوبيا.

ومن عوامل الضغط الأخرى التي قد يستغلها الجانبين المصري والسوداني هو وجود ما لا يقل عن “5,000” لاجئ من إقليم تيغراي في السودان. وتستطيع القاهرة والخرطوم توفير الأسلحة والتدريب لهؤلاء اللاجئين، واستخدامهم لشن هجمات مسلحة عبر الحدود، وبالتالي استمرار الضغط العسكري على إثيوبيا.

ومن مخاطر الحرب الأهلية المستمرة في إثيوبيا هو التسبب في انهيار الدولة الإثيوبية. ولكن من شبه المؤكد أن تلك الحرب الأهلية ستثير نزاعًا بين الدول عبر المنطقة الأكبر وهو ما قد يجذب دولًا إقليمية. وقد تؤدي تلك الحرب أيضًا إلى زيادة الإرهاب في أجزاء كبيرة من إفريقيا.

دنيانيش كامات، محللاً سياسيًا في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم أيضًا استشارات للحكومات حول المبادرات السياسية والإستراتيجية لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.