مشروعات أردوغان العملاقة ستنتهي باسطنبول إلى الاختناق

Begum Toprak

AFP Photo: Ozan Kose

بعد أربعة أشهر من الاحتجاز في المنازل؛ لم يعُد لدى سكان اسطنبول من حلم أكثر من التجول في حديقة واستنشاق الهواء النقي، ولسوء الحظ وبسبب سياسات الحكومة – أو افتقاد الحكومة لتلك السياسات – الخاصة بالبيئة والتغير المناخي؛ فقد بات لدى اسطنبول القليل من الأماكن الخضراء التي يمكن للناس الهروب إليها من التلوث الذي بلغ مستويات هائلة، وبسبب الرئيس رجب طيب أردوغان وحاجته للاستعراض فإن تلك المساحات الخضراء بدأت في التناقُص.

وبفضل تعدادها الذي يزيد على 15 مليون إنسان فإن اسطنبول تعُد من المدن الضخمة، وهؤلاء يعيشون في مساحة تبلغ خمسة آلاف كم مربع، لكن المتنزهات والحدائق أو أية مساحات خضراء لا تمثل أكثر من 2% من تلك المساحة، ووفقًا لجمعية الغابات التركية فإنه بحلول العام 2017 لم يتبق باسطنبول سوى متر مربع واحد من المساحات الخضراء لكل شخص، وهو ما يقل بمقدار 14 مترًا مربعًا عن الحد الأدنى للشخص الواحد والمنصوص عليه في القانون التركي، كما أن تلك المساحة تقل 5 متر مربع عما قالت السلطات المحلية أنها توفره لمواطني اسطنبول.

ومنذ سبعة أعوام أسفر تدمير المساحات الخضراء التي لا تُقدّر بثمن عن احتجاجات على مستوى تركيا، وفي صيف العام 2013 قام 500 شخص بالاعتصام في حديقة جيزي بارك باسطنبول احتجاجًا على تدمير المنطقة التي يعشقها الكثير من سكان المدينة، ويعُد ميدان تقسيم الذي توجد به الحديقة بمثابة قلب مدينة اسطنبول، وقد حاولت الشرطة إنهاء الاحتجاجات عبر إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وإشعال النار في خيام المعتصمين، لكن سلوك الشرطة دفع بأكثر من 3.5 مليون شخص من سكان اسطنبول إلى الخروج لحديقة جيزي بارك والمشاركة في الاحتجاجات، وقد وصف أردوغان المحتجين بأنهم مجموعة من “اللصوص يريدون إشعال حرب أهلية بسبب بضع شجرات”.

وقد تم إنقاذ حديقة جيزي بارك لكن الكثير من الحدائق والمساحات الخضراء الأخرى فُقِدت، ومنذ هذا الصيف الذي شهد اضطرابات أهلية تمت إزالة 381 ألف شجرة في اسطنبول وحدها لتمهيد الطريق لإنشاء الجسر الثالث الذي يعبر مضيق البوسفور، كما تمت إزالة مليوني ونصف المليون شجرة من أجل إنشاء المطار الثالث، وهناك مشروع يعُد الآن من أكثر المشروعات التي تستحوذ على اهتمام أردوغان وحزب العدالة والتنمية وهو إنشاء نفق عبر مدينة اسطنبول بطول 45 كم من أجل الربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وإذا ما مضى المشروع على هذا النحو فإنه سيؤدي إلى تدمير 458 هكتار من الغابات.

وتلك “المشروعات العملاقة” الثلاثة تقع جميعها شمالي اسطنبول، وهي المنطقة التي تعُد بمثابة رئة المدينة، وتتمتّع تلك المنطقة بأهمية بيئية مما حدا بمنع التوسع العمراني بها منذ العام 2009، أما أردوغان فقد قام على أي حال بتنحية جميع تلك الاعتبارات جانبًا وأصر على استكمال البناء في تلك المشروعات الضخمة.

والآن بطريقة أو بأخرى فإن الرئيس يصر أيضًا على أن تركيا تعُد في صدارة الدول التي تتمتع بالوعي البيئي، وفي خطاب له خلال قمة الأمم المتحدة للعمل من أجل المناخ 2019 ادّعى أردوغان أن تركيا تعُد واحدة من القليل من الدول التي زادت بها مساحة الغابات؛ مع زرع أكثر من 4.5 مليون شجرة خلال فترة رئاسته، والادعائين كاذبين، وإزالة الغابات تحدث بمعدل دفع بنقابة عمال الزراعة والغابات التركية إلى وصفها بالمذبحة.

وتحت شعار “التنفس من أجل المستقبل” أطلقت الحكومة حملة خلال نوفمبر الماضي من أجل زرع 11 مليون شجرة على مستوى البلاد في غضون 3 ساعات، وقام الرئيس بزرع الشجرة الأولى، وقد نجحت مدينة جوروم التي تقع في وسط الأناضول في كسر الرقم العالمي عبر زراعة 303,150 شتلة خلال ساعة واحدة، وقال أردوغان أن هذا العمل من الممكن أن يتكرر سنويًا حتى العام 2023، ومن حينها اعتُبِر الحادي عشر من نوفمبر يومًا قوميًا للغابات.

وعلى أي حال حينما قام مسؤولي اتحاد نقابة الغابات التركي بتفقُد الأشجار الجديدة بعد زراعتها بثلاثة أشهر فقد اكتشفوا تلف 90% من تلك الأشجار، وفسّر حسين جتين رئيس الاتحاد والذي عمل بمجال الغابات لمدة 33 عامًا ذلك الأمر بقوله إنه حاول تحذير الحكومة خلال شهر نوفمبر أن الوقت ليس ملائمًا لزراعة تلك الشتلات مع انخفاض الحرارة إلى ما تحت الصفر وانتشار الجفاف، لكن أحدًا لم يعمل بنصيحته.

وفي ذات الوقت فإن تركيا تعُد الدولة الوحيدة العضو في مجموعة العشرين التي لم توقّع على اتفاقية باريس للتغير المناخي، وذلك على الرغم من إعلان 24 مدينة تركية منها العاصمة أنقرة وأزمير وبورصة وعدة مناطق في اسطنبول عن دعمها لتلك الاتفاقية، وتعُد تركيا واحدة من دولتين أعضاء في الأمم المتحدة لم تقومان بالتوقيع على الاتفاقية، والدولة الأخرى هي إيران (قامت الولايات المتحدة بالتوقيع على الاتفاقية لكنها انسحبت منها العام الماضي).

وبدلًا من هذا يُفضّل أردوغان استغلال تلك الاتفاقية كورقة للمساومة، وقد أخبر قادة العالم في العام 2017 أنه لن يوقّع على الاتفاقية “ما لم يتم تنفيذ الوعود التي تم تقديمها لنا”، وتلك الوعود تشمل الاعتراف بتركيا كدولة متقدمة وليس مجرد دولة تملك اقتصادًا صناعيًا، مما يجعلها مؤهلة لأن تتلقى تمويلًا من صندوق المناخ العالمي بدلًا من تسديد الأموال لهذا الصندوق، ويبدو أن الرئيس لم يواجه انتقادات لمواجهة تهديداته خلال قمة العشرين التي عُقِدت في برلين، وهي القمة التي تشمل أكبر 20 اقتصادًا على مستوى العالم بما فيهم تركيا.

وفي مطلع الشهر الحالي أعلن أردوغان عن تحويل متحف آيا صوفيا الرائع مجددًا إلى مسجد، لينضم إلى 3400 مسجدًا في مدينة اسطنبول، وكلمة “صوفيا” تعني باليونانية “الحكمة”، وربما يقوم المصلين في آيا صوفيا بالدعاء للحكومة من أجل أن تتحلّى بالحكمة للحفاظ على المساحات الخضراء القليلة المتبقية في مدينة اسطنبول، قبل أن تتعرّض المدينة للاختناق.

 

بيجوم توبراك هو اسم مستعار لصحفية تركية تعيش في اسطنبول، حيث أنه في وخلال عامي 2018 و2019 تم اعتقال 74 صحفيًا في تركيا، وذلك وفقًا للجنة حماية الصحفيين وهي منظمة دولية مستقلة.