مغامرة أردوغان في ليبيا سعيا لمجده الخاص وليس رفعة لشأن تركيا

هنري جي باركي

AFP photo: Mahmud Turkia

في هذا الأسبوع، أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن القوات التركية ستنتشر تدريجياً في ليبيا لدعم حكومة طرابلس، المعروفة أيضًا باسم حكومة الوفاق الوطني، والمعترف بها دولياً وتشهد حصارًا متزايدًا. ويأتي هذا الإعلان، والذي أقره البرلمان التركي حيث يتمتع حزب أردوغان بأغلبية ساحقة، في أعقاب اتفاق تم توقيعه في ديسمبر الماضي ويقضي بتقسيم المياه البحرية بين تركيا وليبيا بطريقة تتجاهل تمامًا المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان.

وتلك التطورات هي الأحدث في جهود أردوغان لجعل الدور التركي أكثر فعالية في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. وقد عزز أردوغان من قدرات البحرية التركية، والتي ستمتلك في العام المقبل سفينة هجومية برمائية. ويسعى أردوغان منذ توليه السلطة، أولاً كرئيس للوزراء في عام 2003، إلى أن تكون تركيا – باعتبارها خليفة للإمبراطورية العثمانية التي كانت قائمة يومًا ما – أكثر نفوذاً على المستويين الإقليمي والعالمي. وبعد تعزيز سلطته في الداخل من خلال إجراء تعديلات دستورية في العام 2017، والتي ضمنت بشكل فعال سيطرته على السياسة التركية، صرف أردوغان اهتمامه إلى تحقيق هذه الخطة الطموحة.

وتمتلك تركيا بالفعل قواعد عسكرية في قطر والصومال والسودان، بالإضافة إلى قواتها التي تقاتل العديد من القوات الكردية في شمال سوريا وشمال العراق. والهدف من نشر قوات تركية في لبيا، إلى جانب تلك القواعد العسكرية الثلاث، هو تحدي التحالف السعودي الإماراتي المصري، وإظهار أن تركيا قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.

ويتوقف دور القوات التركية على وضع الدولة الأخرى الموجودة فيها. فعندما كانت قطر معزولة منذ عامين ونصف العام بسبب المقاطعة السعودية الإماراتية، قدمت أنقرة القوات، وتولت قطر تمويل نفقات تلك القوات. وفي الصومال والسودان، يدرب الأتراك أعداد كبيرة من الصوماليين والسودانيين في قواعد أنشأتها أنقرة وتتكفل بها. واليوم، باتت تلك القواعد، المتمركزة عند مدخل كل من بحر العرب والبحر الأحمر، تمنح تركيا موقعًا استراتيجيًا حيويًا بالقرب من الأراضي السعودية.

وهناك أيضًا جانب تجاري وراء التوسع في الدور التركي: إذ تبحث تركيا عن عملاء لتجارة الأسلحة المزدهرة لديها. وفي ليبيا، اُستخدمت طائرات بدون طيار تركية الصنع على نطاق واسع، واستخدمتها قوات الحرس الوطني في بعض الأحيان بفعالية ضد منافسها الرئيسي، الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

إن نشر القوات التركية في ليبيا لن يخلو من المخاطر. لقد أدى الإطاحة برجل السودان القوي، عمر البشير، إلى تقويض العلاقات مع تركيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص وجودها العسكري. ولكن في ليبيا، يتحمل أردوغان خطرًا أعظم.

وعلى الرغم من الاعتراف بها دولياً، فلا تسيطر حكومة الوفاق الوطني في طرابلس إلا على مناطق صغيرة، وتواجه هجومًا مشتركًا من قبل قوات حفتر، المدعومة من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، ودول أخرى. وندد البرلمان الليبي في طبرق – حيث يوجد خليفة حفتر، بالاتفاق التركي الليبي.

ويجب افتراض أن في ليبيا قوات تركية سرية لمساعدة الليبيين على تشغيل الطائرات بدون طيار. ومما لا شك فيه أن المزيد من التدخل العسكري من جانب تركيا سوف يحشد القوات المجتمعة ضد حكومة الوفاق الوطني، وربما يعجل بهلاكها. فلماذا الإقدام على هذه الخطوة رغم خطرها المضاعف؟

هناك ثلاثة أسباب متشابكة وراء هذه الخطوة. أولاً، يجب على أردوغان أن يعتقد حقًا أن القوات التركية يمكنها إيقاف تقدم حفتر – حتى وإن كانت تلك القوات، وفقًا لبعض التقارير، حلفاء من المجاهدين الأتراك القادمين من سوريا وأماكن أخرى وكانوا على علاقة قوية مع أنقرة. إن منع حفتر من التقدم سيؤدي إلى طريق مسدود، مما يمنح أردوغان بعض القدرة على المساومة في تحديد مستقبل ليبيا والدور التركي فيها، بالإضافة إلى استرداد بعض المليارات من الدولارات المستحقة للمقاولين الأتراك العاملين في ليبيا.

ثانياً، إن المشاركة التركية في سوريا تكمل جهود أردوغان في مواجهة الاتفاق بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر بشأن التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط. وتضايق البحرية التركية أحيانًا سفن الحفر العاملة في المياه القبرصية، مدعية أنها تنتهك حقوق جمهورية شمال قبرص التركية – وهي دولة لم يعترف بها أحد باستثناء تركيا. إن ترسيم حدود الجرف القاري بين تركيا وليبيا سيؤدي إلى عرقلة خط أنابيب غاز إسرائيلي – يوناني – قبرصي مشترك إلى أوروبا، وهو ترسيم ينتهك، بجميع الأحوال، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها خطوة تمنح أيضًا أردوغان بعض القدرة على المساومة في البحر الأبيض المتوسط، وتثبت أنه ودولته عصية على الغير.

وأخيرًا، لا يمكننا أن نغفل إحساس أردوغان بأهميته الخاصة، واهتمامه الخاطئ بمكانه في التاريخ. ويجب أن يصبح أسلوب حكمه الاستبدادي أسلوبًا شرعيًا، ومن وسائل ذلك هو استخدام المغامرات الأجنبية لحشد القومية الشعوبية، وإثبات أنه يعمل بنشاط على تعزيز مكانة تركيا العالمية.

ولا تختلف تلك المغامرات عن مشاريعه الطموحة الأخرى، مثل القناة الضخمة التي يثار حولها الجدل بشأن التأثير على البيئة والتي يريد بناءها لتكون مسارًا موازيًا لمضيق البوسفور في اسطنبول. وعندما يشعر المستبدون بأن شعبيتهم تتلاشى – كما هو الحال، فإنهم في نهاية المطاف وبشكل حتمي – يسعون إلى الحفاظ على أنفسهم بالتعظيم من قدرهم أينما استطاعوا. ولا يختلف أردوغان عن هؤلاء.

هنري ج. باركي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي، والموظف بمجموعة “كوهين”، وكبير الأعضاء في دراسات الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية. وبالإضافة إلى عدة وظائف أخرى، كان “هنري” عضوًا في فريق تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، وكان يهتم في المقام الأول بالقضايا المتعلقة بالشرق الأوسط وشرق المتوسط والمخابرات.