تخبط “أردوغان” في “إسطنبول” يضع الانتخابات الرئاسية 2023 في يد معارضته

عمر تاسبينار

AFP Photo: Bulent Kilic

الأسوأ من الخسارة في جولة انتخابات هو الخسارة في نفس التصويت مرتين؛ بل والخسارة في المرة الثانية بهامش أكبر للأصوات. وهذا ما نجح في تحقيقه حزب العدالة والتنمية أو حزب AKPالذي يتزعمه الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، في ليلة الأحد الماضية؛ حيث أكدت نتائج التصويت أن “أكرم إمام أوغلو”، مرشح المعارضة والمفضل الحالي للديمقراطيين الأتراك، قد فاز بإعادة الانتخابات البلدية في “إسطنبول ” في صدمة هزت عرش الحزب الحاكم. وغادر “بن علي يلدريم”، مرشح الحزب الحاكم ورئيس الوزراء السابق والحليف المقرب من “أردوغان”، حلبة المنافسة سريعًا، بعدما أظهرت نتائج الإعادة أن منافسه قد فاز بنسبة 54% من الأصوات، في مقابل نسبة 45% التي حصل عليها حزب “يلدريم” المهيمن على السلطة.الا ان هذه النتيجة لم تكن خسارة ليلدريم بمفردة؛ بل تهدد محاولة “أردوغان” لإعادة انتخابه رئيسًا في 2023 في موقف شديد الخطورة.

وكان إلغاء “أردوغان” للانتخابات الأصلية لعبًا بالنار. ففي ظل غياب حكم القانون وحرية التعبير وحرية التجمع والصحافة الحرة، أصبح صندوق الاقتراع المنفذ القانوني الوحيد للتمتع بمستوى معين من الشرعية. حتى “أردوغان” أدرك هذا الأمر. في الواقع، بُني الاتجاه الشعوبي والقومي الاستبدادي الذي ناصره الرئيس على أسطورة أنه يمثل إرادة الشعب التي يعبر عنها من خلال الانتخابات. وعبّر المصوّتون في “إسطنبول” عن رفضهم التام لهذه للأسطورة.

وخسر حزب العدالة والتنمية الانتخابات البلدية الاولى في 31 مارس، الا انه نادى بإسقاط النتائج استنادًا إلى تفصيله قانونية صغيرة.وفق الواقع فان انتخابات رئيس البلدية قد ألغيت لأن الخسارة البسيطة لم تكن مقبولة بالنسبة لـ “أردوغان” ببساطة. وجاء الحكم القضائي من المجلس الأعلى للانتخابات مؤيدًا لإعادة الانتخابات، ليتمم سلسلة من التحركات الاستبدادية الصارخة من جانب حكومة “أردوغان”. وبالطبع لم يفاجئ القرار أحدًا؛ لا مفاجأة من أمر كهذا في دولة يقبع فيها زعيم المعارضة الأكثر شعبيةً في السجن، وتُغلَق فيها 1.400 من منظمات المجتمع المدني، ويُفصَل فيها 140.000 موظف حكومي من عمله. هذه هي تركيا الجديدة التي خلقها “أردوغان” حين حوَّل الدولة التركية من نظام حكم برلماني إلى نظام رئاسي – أقرب إلى حكم إمبراطوري – دون حكمة في المراجعة ومراعاة التوازنات.

وإذا كان قرار إعادة انتخابات قد تم اتخاذه بناء على خطأ تكتيكيًا فاضحًا، فقد أثبت النظام الرئاسي الذي أسسه “أردوغان” انه سوء تقدير استراتيجيًا. فحين حوَّل “أردوغان” الدولة من النظام البرلماني إلى الرئاسي فإنه لم يكتفِ بتوريط نفسه في متطلبات الفوز بأغلبية أكثر من 50% في الانتخابات المحلية؛ بل أيضًا حقق دون قصد ما يتجنبه جميع المستبدين؛ وهو توحيد المعارضة. وقد كانت المعارضة تعاني انقسامًا ملحوظًا قبل تطبيق النظام الرئاسي. واليوم، مهّد النظام الجديد الطريق لتحالفات بين الأحزاب المعارضة تتمتع بقوة كافية لمنحها فرصة النجاح في مواجهة حزب العدالة والتنمية. ويوجد بعض الشكوك في أن صعود “إمام أوغلو” بسرعة البرق سيبلغ ذروته بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة أمام “أردوغان”، والمقرر انعقادها في 2023. ويثار الان العديد من التكهنات بشأن تقديم موعد الانتخابات الوطنية.

كذلك كان إلغاء حزب العدالة والتنمية لانتخابات “إسطنبول” محض فكرة حمقاء، لأنها حوّلت “إمام أوغلو” إلى ضحية أولًا، ثم إلى بطل. ولم يسبق لتاريخ الانتخابات البلدية في “إسطنبول” أن يشهد مرشحًا نجح في الفوز بأصوات مثل هذه الأغلبية كما فعلها “إمام أوغلو”. وقد فعلها من خلال توحيد كل الأطياف السياسية التركية تقريبًا، من القوميين الأتراك وحتى القوميين الأكراد. ويتعاطف الأتراك مع دور الضحية، وقد لعب “إمام أوغلو” – ابن العائلة السياسية ذات توجه اليمين الوسطي المنحدرة من منطقة البحر الأسود – ذلك الدور حافظًا كرامته حين سُرِق انتصاره الأول. لكن، بدلًا من تحويل هذا المكسب إلى هجوم عدواني ضد “أردوغان”، أدار “إمام أوغلو” من جديد حملةً تستند إلى المشكلات الاقتصادية، وتحمل رسالة تعاطف مع الفقراء وتدعم المصلحة الوطنية. وفي مجتمع أتعبته تكتيكات “أردوغان” الغاضبة والاستقطابية، أثبتت استراتيجية “إمام أوغلو” انها ألطف وقعًا بكثير ووجدت ترحابًا أكبر بكثير.

أما حزب العدالة والتنمية، فقد أدار من جانبه منافسة متخبطة. فقد وعَد “يلدريم” في البداية بإعانات وامتيازات سخية لقاطني بلدية “إسطنبول”، وذلك من خلال توفير وسائل النقل والمياه واتصال الإنترنت والمدارس بأسعار أقل، إلى جانب برنامج ضخم لخلق فرص العمل. وكانت المشكلة تكمن في أن بعض تلك التعهدات بدت شبيهة – إلى حدٍ يثير الريبة – بتلك التي قدمها “إمام أوغلو” في برنامجه. كذلك، وبينما غاب “أردوغان” في البداية عن الحملة الانتخابية – ربما سعيًا إلى تقليل الاستقطاب في الانتخابات وجَعلها مرتبطة بمشكلات “إسطنبول” بدلًا من الارتباط بشرعيته هو – الا انه لم يملك الرئيس عونًا يقدمه في المرحلة الختامية من الحملة سوى بالعودة إلى الظهور مرة أخرى والبدا في توجيه اتهام كامل.

واتهم الرئيس “إمام أوغلو” بأنه “عميل سري لليونان”، وبانه متعاطف مع “فتح الله جولن” الداعية الإسلامي المنشق عنه والمقيم بالولايات المتحدة، وبسرقته للانتخابات الوطنية، وببناء روابط مع “الإرهابيين الأكراد”. ثم جاء منتهى التناقض، حين حاول حزب العدالة والتنمية إقناع المجتمع الكردي الكبير في “إسطنبول” بالبقاء في منازلهم في يوم الانتخابات. فعلها الحزب بأن طلب على ما يبدو من “عبد الله أوجلان”، زعيم حزب العمال الكردستاني المسلح المشهور أكثر بالاختصار PKK، والذي يقضي عقوبةً بالسجن مدى الحياة، أن يكتب خطابًا يخبر فيه الأكراد بالبقاء على الحياد. لكن جميع هذه التحركات المنفصلة والمتناقضة أثبتت أنها لا تجدي إلا قليلًا ولا تأتي إلا متأخرة.

وفي النهاية، فقد ثبت أن حزب العدالة والتمية لا يستطيع التغلب على عوامل تدهور الاقتصاد وتوحد المعارضة ووجود مرشح مؤثر. فالانتصار القاهر الذي حققه “إمام أوغلو” قد يكون بداية جيدة جدًا لنهاية “أردوغان”. فالرئيس التركي، كرئيس سابق لبلدية “إسطنبول”، يعلم تمام العلم أن مَن يحكم “إسطنبول” فسيحكم البلاد بأكملها في اخر المطاف.