أردوغان يستعد لانتخابات مبكرة، فالوقت ليس في صالحه

عمر تاسبينار

AFP Photo: Turkish Presidential Press Service

بعد الخسائر المزعجة التي مُني بها في الانتخابات المحلية لهذا العام – ليس لمرةٍ واحدة بل مرتين في إسطنبول – استفاق “رجب طيب أردوغان” على واقعٍ مريرٍ وهو أن الوقت ليس في صالحه. ومع اقتراب نهاية العام 2019، أصبحت حاجة أردوغان الملحة لإجراء الانتخابات أكثر وضوحًا. ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2023، لكن لا يوجد أحد في تركيا يعتقد أن أردوغان سينتظر هذا الوقت الطويل. وفي ظل اقتصادٍ يحتضر وبدون وظائف، وأحزابٍ سياسية ناشئة حديثًا تهدد قاعدته، وكما ان التوغل في سوريا لم يعطي أي أمل لحل مشكلة اللاجئين، وبالإضافة الى الأزمة المتفاقمة مع واشنطن، ومن ثم فلم يبقى أمام “أردوغان” أي خيارات جديدة.

ولكن الأمر المؤكد هو أن التطورات على الأمد البعيد ليست في صالح “أردوغان”، لذلك لن يُفاجئ أحدٌ إذا خاض “أردوغان” مخاطرة محسوبة، ودعا إلى إجراء انتخابات مبكرة في عام 2020. ولن تؤدي هذه الخطوة إلى إرباك المعارضة فحسب – لأنها لن تمنح الحزبان السياسيان الجدد اللذين شكلهما الحليفان السابقان “أحمد داود أوغلو” و”علي باباجان” الوقت لتنظيم صفوفهما- وإنما ستدعم أيضًا قاعدة أردوغان القومية قبل أن تزداد الأمور سوءًا.

وبالتأمل في الماضي، يجب أن يعلم أردوغان أنه ارتكب خطأً استراتيجياً جسيمًا بإنشائه نظامًا رئاسيًا يتطلب منه الفوز بأكثر من 50 في المائة من الأصوات الوطنية ليفوز بالرئاسة. وفي ظل النظام البرلماني السابق، تمكن حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان من تشكيل حكومة قوية بنسبة قليلة من الأصوات تصل إلى “35%”. وببنما كان رئيسًا للوزراء، ورئيسًا للسلطة التنفيذية، تمتع أردوغان بجميع الصلاحيات التي يحتاجها لإدارة البلاد بطريقة مركزية ومجتمعية، كما لو كان النظام الرئاسي معمولاً به.

واليوم، وفي ظل النظام الجديد الذي وضعه أردوغان بنفسه، يحتاج أردوغان إلى حزب الحركة القومية المتطرف والأصغر للفوز بالأغلبية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية أردوغان، وأن الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان في أدنى مستوياته على الإطلاق. ومع افتراض أن حزب الحركة القومية سيدعم أردوغان، فمن غير المضمون أن يفوز أردوغان بنسبة الـ”50%” تلك. إن الأمر الأشد وضوحًا هو أن مجرد عزوف نسبة ضئيلة عن التصويت لحزب العدالة والتنمية سيكون له عواقب وخيمة على احتمالات فوز أردوغان بفترة رئاسية أخرى. وهذا هو السبب في أن التطورات الأخيرة، مع دخول حزبين جديدين إلى المعترك السياسي، تثير قلقًا عميقًا لدى أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

وأول هذين الحزبين، حزب المستقبل، والذي تأسس الأسبوع الماضي على يد رئيس وزراء الأسبق عن حزب العدالة والتنمية، أحمد داود أوغلو، ومن المتوقع أن يجتذب الحزب الناخبين المحافظين المتدينين والساخطين من قاعدة حزب العدالة والتنمية. ومن المتوقع تشكيل الحزب الثاني خلال شهر واحد على يد “علي باباجان”، وزير الاقتصاد الأسبق عن حزب العدالة والتنمية، والذي يحظى بتقدير كبير من جانب المستثمرين، بصفته مهندس أعوام النمو التي شهدتها البلاد خلال الفترة من 2003 و2013. وتُظهر معظم استطلاعات الرأي أن هذين الحزبين، مجتمعين، يمكنهما الفوز بـ”20%” من الأصوات. لذا، من مصلحة أردوغان حرمانهما من أي فرصة لاكتساب زخمٍ في العامين المقبلين.

والسبب الآخر الذي يثبت أن النظام الرئاسي خطأ استراتيجي لأردوغان، هو أن النظام الرئاسي يحفز المعارضة التركية المنقسمة على نفسها للتجمع في ائتلاف، واختيار مرشح واحد كمنافس رئيسي لأردوغان.

ومع خسارة اسطنبول مرتين لصالح “أكرم إمام أوغلو”، ذلك الشاب المرشح عن حزب الشعب الجمهوري، وصاحب الشخصية الملهمة والشعبية الجارفة، جعل “أردوغان” من “أكرم” منافسًا له دون قصد. وفي السيناريو المحتمل للغاية والمتمثل في فشل أردوغان في الفوز بشكل مطلق خلال الجولة الأولى من التصويت، من المحتمل أن يظهر “إمام أوغلو” كمرشح توافقي للمعارضة في جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة.

وعلى عكس المرشحين السابقين لحزب الشعب الجمهوري، ينحدر “إمام أوغلو” من عائلة محافظة. كما أن خلفيته وأسلوبه التصالحي يروقان لكل من العلمانيين التقدميين والجماهير الدينية المعتدلة. وكما شهدنا في انتخابات بلدية اسطنبول، يمتلك “إمام أوغلو” أيضًا سجلاً حافلاً في جذب القوميين من الأكراد والأتراك أثناء تمثيله على التوالي لحزب الشعب الديمقراطي، وحزب الخير المنشق عن حزب الحركة القومية.

وليس مفاجئًا أن يحصل “إمام أوغلو” على دعم “داود أوغلو” وباباجان”، وبهذا يكون “إمام أوغلو” منافسًا كبيرًا لأردوغان. ومن المحتمل جدًا أن يكتب الفصل التالي من السياسة التركية هذا الجيل الجديد من السياسيين المؤلفين من “إمام أوغلو” و”باباجان”، وزعيم حزب الشعب الديمقراطي “صلاح الدين دميرطاش”.

ومن المؤكد أن الوقت لم يحن بعد لاستبعاد تحقيق أردوغان فوزًا آخر. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2018، فاز أردوغان في الجولة الأولى بحصوله على “52,6%” من أصوات الناخبين، لسببين رئيسيين. أولاً، كان الاقتصاد مازال قادرًا على الصمود. وأظهرت البطالة والتضخم دلالات مقلقة، ولكن الليرة التركية كانت أقوى، وبدا أن أردوغان كان المتحكم في الأمور. ثانياً، كان مرشح المعارضة، محرم اينجه، أقل قبولاً لدى الجماهير المحافظة من “إمام أوغلو”. وفي هذه المرة، سيواجه أردوغان ظروفًا اقتصادية بالغة صعوبة، وخصمًا أكثر خبرة.

فهل بإمكان أردوغان مواصلة الفوز رغم كل ذلك؟، بالإضافة إلى انتهاء شخصيته التي لا تقهر منذ فترةٍ طويلة. ورغم ذلك، لا يمكن الاستهانة أبدًا بنمرٍ جريج. فأردوغان على استعداد لاستخدام ورقة القومية مرة أخرى. وإن تهديده بإغلاق قاعدة “إنجرليك” الجوية، رداً على اعتماد مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع قرار الإبادة الجماعية للأرمن، يُشكل أيضًا تحذيرًا واضحًا للمشرعين الأمريكيين بعدم إقرار حزمة من العقوبات العسكرية والاقتصادية ضد تركيا معاقبة لها على غزو سوريا، وشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي.

ولا يعبأ مجلس الشيوخ الأمريكي بالتهديدات، ومن المحتمل أن يعتمد المجلس العقوبات خلال الأسبوعين المقبلين. وسيكون لتلك العقوبات تأثير محدود على المدى القصير على الاقتصاد، لكنها على المدى الطويل ستقوض قدرة أنقرة على جذب التمويل الخارجي.

وتشير كل هذه العوامل إلى حكمة “أردوغان” في دعوته إلى إجراء انتخابات مبكرة. فكل ما يأمله أردوغان هو حشد الأصوات القومية قبل أن يتدهور الاقتصاد، والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. إن فرص أردوغان في الفوز ليست قوية، لكن الأوقات العصيبة تتطلب اتخاذ تدابير يائسة.

عمر تاسبينار، زميل بارز لدى معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.