أردوغان يسترد كرامته في إدلب – لكن الروس هم من سمحوا له بذلك

عمر تاسبينار

AFP Photo: Pavel Golovkin

لقد مر رئيس تركيا القوي، رجب طيب أردوغان، بشهرٍ عصيب. وتبين أن توغل تركيا العسكري في إدلب، آخر محافظة سورية لا تزال خاضعة لسيطرة المعارضة، كان خطأً فظيعًا. وأسفرت الغارات الجوية التي شنها الجيش السوري عن مقتل 34 جنديًا تركيًا في هجوم من الواضح أنه كان يحظى بدعم روسيا. وما كان لرسالة “فلاديمير بوتين” إلى أردوغان أن تكون أوضح من ذلك، وهي: فلتتوقف عن دعم الجهاديين المقاومين لنظام الأسد، واستعد للخروج من سوريا.

ولم تتمكن أنقرة المهانة أن تلقي باللوم علنًا على روسيًا. وبدلاً من ذلك، كان على أردوغان تقبل الأمر، وتوجيه غضبه إلى النظام السوري. وبدأت قوات المدفعية التركية في قصف قوات الأسد في إدلب، وأفادت وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة بمقتل المئات في صفوف الجيش السوري.

وفي نفس الليلة التي تعرضت فيها القوات التركية للهجوم في إدلب، فتح أردوغان أيضًا حدود بلاده مع اليونان. وتلك أيضًا رسالة واضحة إلى الاتحاد الأوروبي، مفادها: هذا هو الثمن الذي ستدفعونه بسبب عدم المشاركة في تحمل عبء ملايين اللاجئين السوريين. وكان السبب الرئيسي وراء تدخل تركيا في إدلب، بعد كل هذا، هو منع تدفق المزيد من اللاجئين من سوريا ليلتحقوا بحوالي أربعة ملايين لاجئ موجودين بالفعل في تركيا.

وعند نقل جثث الجنود الأتراك الشباب إلى البلاد، كان من الواضح أن ما حدث في إدلب قد أحدث تغييراً جذرياً. فبالنسبة للكثيرين، كان هذا يعني نهاية “الصداقة” بين أردوغان وبوتين. وكان زواج المصالح بين تركيا وروسيا في طريقه حتمًا نحو نهاية سيئة.

وتوقع الكثيرون أيضًا أن هذا الموقف قد أعطى واشنطن فرصة لإصلاح علاقاتها مع حلفائها في الناتو. ومن المفارقات، أن شراء تركيا لمنظومة الدفاع الصاروخي الروسي S-400، بدلاً من نظام باتريوت الذي يستخدمه حلف الناتو، هو السبب الرئيسي في توتر العلاقات في المقام الأول .

وبنفس القدر من المفارقة – يقول البعض بكل ثقة أن تركيا – بعد تعرضها لهجوم من الطائرات الروسية طراز Su-24في سوريا، لم تكن قلقة بشأن مطالبة واشنطن بنشر صواريخ باتريوت التي رفضتها قرب حدودها مع سوريا. وتلك قطعًا لحظات ممتعة لأعداء أردوغان في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا غرابة في أن إدارة ترامب لم تتسرع في مساعدة الرئيس التركي.

وبسبب خوف أردوغان من توجيه أصابع الاتهام إلى روسيا، وعدم الحصول على دعم الإدارة الأمريكية، كان السبيل الوحيد أمام أردوغان المُهان بشكل كامل ليوضح لقاعدته القومية بأنه يمتلك الإرادة والقدرة على الانتقام لمقتل الجنود هو الرد وبقسوة على النظام السوري في إدلب.

وما أثار دهشة الكثيرين أن “بوتين” لم يحاول حتى إيقاف أردوغان. وبدلًا من ذلك، أعطاه تفويض مطلق لمواصلة أفعاله. وعندما شنت تركيا عملية عسكرية كبيرة في سوريا قبل أيام من زيارة أردوغان المقررة لموسكو، غض الكرملين الطرف عن تلك العملية. وسمح “بوتين” للطائرات التركية بدون طيار بالتحليق فوق أجواء إدلب، وتعرضت قوات الأسد لقصفٍ من المدفعية التركية الثقيلة، وغارات المقاتلات الجوية التركية. وفي 2 مارس، أعلن وزير الدفاع التركي، “خلوصي آكار”، أن القوات التركية دمرت طائرتين مقاتلتين سوريتين من طراز Su-24، وطائرتين بدون طيار، و135 دبابة، وخمس أنظمة للدفاع الجوي، وقامت “بتحييد” أكثر من 2500 مقاتل موالين للحكومة السورية.

فلماذا سمح بوتين لأردوغان بأن يشن هذه الحملة العسكرية على حليفه بشار الأسد ؟ والإجابة التي تتبادر إلى الذهن تتلخص في ثلاثة أسباب: أولها، أدرك بوتين أن أردوغان كان بحاجة إلى حفظ ماء وجهه في إدلب، على الأقل بشكل مؤقت ، وأنه كان بحاجة إلى إرضاء المتعطشين للثأر في بلاده.

والسبب الثاني وربما الأهم، هو أن بوتين قد استثمر الكثير في دق الأسافين بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية. فالتقارب بين الناتو وتركيا لا يصب ببساطة في المصلحة الوطنية لروسيا.

أما السبب الثالث، فهو أنه إذا كانت تركيا في حاجة إلى التنفيس عن غضبها، فسيكون ذلك وفقًا لشروط روسيا. ولن يحدث أي هجوم على أهداف روسية، ولن تستمر العملية العسكرية برمتها إلا لبضعة أيام فقط، ولن تتغير الديناميكيات الأساسية على الأرض. والدليل على ذلك، هي حقيقة أنه بعد التراجع لبضعة أيام، استعادت قوات النظام السوري والشرطة العسكرية الروسية قبضتها على النقاط الاستراتيجية في إدلب.

إلا أنه في نهاية المطاف، سيكون لبوتين اليد العليا. وفي نهاية الأمر، سيعلم أردوغان أنه لا يمكنه إلقاء اللوم على روسيا لموت الجنود الأتراك في إدلب – وخاصة بعد فشله في الحصول على دعم الأمريكيين والأوروبيين لمغامرة تركيا في سوريا.

وتمثل عزاء أردوغان في هذا العرض العسكري القصير الذي سمح له بالمطالبة ببعض المكاسب التكتيكية في إدلب. ولكن النصر الاستراتيجي في سوريا يعود مرة أخرى إلى موسكو.

 

يعد عمر تاسبينار أحد كبار الزملاء البارزين لدى معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.