معادلة الطاقة في الأزمة التركية

روبن ميلز

سعت تركيا أن تكون مثل العنكبوت في شبكة تجارة الطاقة، حيث تسوق نفسها بأنها مركزًا محوريًا بين البحر الأسود والبحر المتوسط وبحر قزوين ومنطقة الشرق الأوسط وروسيا وأوروبا، بيد أن أزمتها المالية الحالية تهدد عرش هذا الكيان الضعيف شأنها في ذلك شأن الذبابة العالقة التي تحاول النجاة بحياتها.

وتدير تركيا مضيق البوسفور، وهو واحدٌ من الممرات الرئيسية لصادرات النفط الروسية والدول المطلة على بحر قزوين، وخط أنبوب النفط “باكو-تبليسي– جيهان” والذي يحمل معظم صادرات دولة أذربيجان من النفط. ويمثل ميناء “جيهان” المطل على البحر المتوسط محطة الوصول لأنبوب النفط العراقي والذي يحمل معظم الصادرات من منطقة الأكراد المستقلة، وينقل أيضًا النفط من الحقول الكردية التاريخية إذا ما توصل الأكراد وبغداد إلى اتفاق في هذا الصدد.

وتأمل تركيا أيضًا في أن تكون دولة مستهلكة ومحطة عبور للغاز القادم من حقول الغاز المطلة على إسرائيل وقبرص شرق البحر المتوسط، غير أن التعنت السياسي بشأن الجزيرة المقسمة قد حال دون تنفيذ خطتها. فلا يمكن لخطوط النفط الواردة من المنطقة المرور إلا عبر تركيا أو مصر أو تشق طريقها طويلاً عبر المياه للوصول إلى اليونان. ولكن في شهر فبراير/شباط، منعت السفن الحربية التركية شركة النفط الإيطالية “إني (الوكالة الوطنية للمحروقات)” من التنقيب قبالة المنطقة الشرقية الجنوبية لقبرص.

والآن، أصبحت العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا أكثر سوءًا. وفي تغريدة له عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، قال الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بأن الوضع “ليس جيدًا”، وضاعف الرسوم الجمركية على الواردات التركية من الصلب والألومنيوم، وتشهد العلاقات بين أنقرة وواشنطن خلافًا شديدًا بشأن دور الأكراد في سوريا، والدعم الأمريكي المزعوم لمحاولة الانقلاب على أردوغان في العام 2016 والقس الأمريكي المسجون في تركيا.

تشهد تركيا دومًا عجزًا كبيرًا في حسابها الجاري وتضع عملتها تحت الضغط، ويرجع “17%” من العجز إلى واردات الطاقة، وما زاد الوضع سوءًا هو ارتفاع أسعار النفط والتهديد بفرض عقوبات على إيران لأن تركيا تحصل على “45%” من احتياجاتها من النفط و”17%” من الغاز الطبيعي من إيران.

وقد وصفت تركيا العقوبات الأمريكية التي أعيد فرضها على إيران بأنها “ليست في محلها”، وتعهدت بمواصلة التجارة مع إيران “بأكبر قدر ممكن،” كما فعلت سابقًا عبر المصارف المملوكة للدولة وتجارة “الذهب مقابل الغاز” أثناء العقوبات المفروضة على إيران إبان حقبة الرئيس “أوباما”، ورغم أن الغاز الإيراني إلى الجزء الجنوبي الشرقي من تركيا لا يمكن استبداله بمورد آخر بسبب حدود شبكة أنابيب الغاز، تبقى المحافظة على التجارة مع إيران الخيار الأكثر صعوبة إذا طلبت أنقرة ذلك.

وتفاقمت تأثيرات ارتفاع أسعار النفط بسبب انهيار الليرة التركية، ولتخفيف العبء عن المستهلكين، قلصت الحكومة التركية الضرائب على الوقود وأدى هذا إلى إضعاف عائدات الضرائب وعدم تقييمها بالشكل الأمثل، ولكن في ظل عهد صهر الرئيس التركي ووزير الطاقة الأسبق “بيرات البيرق” والذي يتولى حاليًا الملف الاقتصادي للبلاد، ومعارضة الرئيس “أردوغان” الشديدة لرفع معدلات الفائدة، انتاب المستثمرون القلق بشأن السياسات الحكومة غير التقليدية والتي تأتي بنتائج عكسية.

وقد مرت تركيا قبل ذلك بأزمات مثل هذه، فبعد العام 2001، التزمت تركيا بعقود تفوق قدرتها لشراء الغاز من روسيا وأذربيجان، ولم تُسوى تلك الالتزامات إلا بالمفاوضات المطولة والتحكيم مع روسيا وإيران. وانخفض الطلب على النفط بمقدار “4%” خلال الأزمة المالية العالمية ما بين الفترة 2008-2009، وعاود الطلب الانخفاض مرة أخرى بين الفترة 2015-2016 وحاولت تركيا تنويع مصادر الطاقة غير أن طلبها من الغاز ارتفع في العام 2017 مسجلاً حوالى “52” مليون متر مكعب، علمًا بأن السوق التركي هو رابع أكبر الأسواق الأوروبية بعد ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا.

وتمثل قلة الطلب على الغاز أخبارًا سيئة لكلٍ من أذربيجان وروسيا وإقليم كردستان العراق لأن جميعها تستهدف السوق التركي هذا وقد دخل خط أنبوب الغاز عبر الأناضول والممتد من أذربيجان مرحلة التشغيل في يونيو/حزيران، ومن المستهدف أن يمد خط الغاز تركيا بـ”6″ مليار متر مكعب، و”10″ مليار متر مكعب إلى اليونان وألبانيا وإيطاليا وذلك مع حلول العام 2020. ومن المقرر أن يحل أنبوب التيار التركي الواقع تحت البحر الأسود محل الطريق الروسي ليمر عبر أوكرانيا ودول البلقان. وانتظرت منطقة كردستان العراق طويلاً لتصدير إنتاجها من الغاز إلى تركيا من خلال الاتفاق المبرم بين الشركة التركية البريطانية “جينيل للطاقة” الرائدة في مجال الطاقة وشركة “روسنفت” العملاقة الحكومية الروسية من أجل إنشاء خط أنابيب لتوفير “20” مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.

واستبعد أردوغان أي مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي، والتي قُدرت بأن تكون في حدود “20-40” مليار دولار أمريكي، وقال بأن بلاده ستبدأ في البحث عن “أصدقاء وحلفاء جدد”، والسؤال هنا من هم الأصدقاء والحلفاء الجدد؟

يمثل خط أنبوب التيار التركي وأنبوب الغاز الكردستاني أبرز صفقتين في صفقات الغاز والتي بموجبها وسعت روسيا من وجودها في منطقة الشرق الأوسط. كما تبني شركة النفط الحكومية الروسية “روساتوم” مصنع “أكويو” للطاقة النووية في تركيا وهو أول مصنع من نوعه في البلاد. ومما لا شك فيه أن هناك متسع للمزيد من التعاون، غير أن الروس لا يملكون المال الكافي للمحافظة عل استقرار تركيا.

وتشعر قطر بالامتنان لدولة تركيا بعد أن ساندتها الأخيرة في موقفها مع جيرانها من دول الخليج أمثال المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقام الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بزيارة أنقرة يوم الأربعاء وتعهد بتقديم استثمارات بقيمة “15” مليار دولار أمريكي للمساعدة في دعم الليرة التركية. ورغم ذلك، وفي ظل الحاجة إلى “200” مليار دولار أمريكي من التمويل الأجنبي كل عام، تظل أصول جهاز قطر للاستثمار والبالغ قيمتها “320” مليار دولار أمريكي مجرد مسكنات.

وتعتبر الصين الأفضل ماليًا لدعم تركيا، حيث تعهد البنك الصناعي والتجاري الصيني في شهر يوليو بتقديم قروضًا بقيمة “3,6” مليار لقطاعي الطاقة والنقل، وجعلت وسائل المواصلات الإقليمية التركية من تركيا جزءًا محوريًا في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها بكين، غير أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية في تركيا مازالت صغيرة مقارنة بالاتحاد الأوروبي، وتحذر الصين في الوقت الراهن من إغضاب الولايات المتحدة الأمريكية بسبب التقارب الشديد مع حلف الناتو.

وفي النهاية، ربما يساعد الموقع الجغرافي لتركيا على تمكين تركيا من إحداث توازن بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وجيرانها في منطقة الشرق الأوسط، وإلى الآن، تظل رغبة تركيا في إنشاء تحالفات جديدة مناقضة في ظل الوقائع الصعبة، كما أن المحن الاقتصادية والسياسية التي جلبتها أنقرة لنفسها لا تمثل أخبار جيدة لأي من اللاعبين الذين يتنافسون على استخدام هذا الجسر الواصل بين القارات.

AFP PHOTO/OZAN KOSE