السيارات الكهربائية قد تريح ضمائرنا بيد انه دون الطاقة المتجددة قد تحدث كارثة بيئية

جوناثان جرونال

AFP Photo: Tobias Schwarz

مع ارتفاع مستوى المياه في البحار وارتفاع صيحات المتظاهرين ضد التغيرات المناخية في جميع انحاء العالم قد يشعر مالكو السيارات الكهربائية انهم يقومون بدورهم تجاه قضية الاحتباس الحراري ولكنهم في الحقيقة يخادعون أنفسهم.

لا يتعدى استخدام السيارات الكهربائية في الوقت الراهن 0.5 % من السيارات حول العالم وهو الامر الذي سوف يتبدل في القريب العاجل. وحددت الكثير من البلدان كفرنسا وكندا والمملكة المتحدة والنرويج الفترة من 2025 الى 2040 للتوقف عن مبيعات المركبات التي تعمل بالبنزين والديزل وتتنافس مصانع السيارات الكبرى للسيطرة على هذا السوق الجديد المربح.

وفي جميع انحاء العالم يعزف المستهلكون عن شراء السيارات الكهربائية ولكن الأمور سوف تتبدل مع ازدياد محطات الشحن. عندئذ سوف يدرك السائقون ان السيارات التي تعتمد على الوقود الاحفوري سوف تفقد قيمتها عند إعادة بيعها. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستنقذنا السيارات الكهربائية ام ستدمرنا؟ الإجابة تكمن في أي نوع من الطاقة سوف يستخدم في شحن بطاريات السيارات.

عندما أعلنت المملكة المتحدة في 2017 حظر استخدام سيارات الديزل والبنزين ابتداء من 2040 فقد ثار الجدل على الصعيد المحلي. مع وجود 9 مليون مركبة يتم شحنها يوميا سوف يرتفع الحد الأقصى الحالي للطلب على الكهرباء في أوقات الذروة بنسبة 50% وهو ما يزيد عن القدرة الاستيعابية الحالية. ومع تكرار هذا السيناريو كلما يتم توصيل ملايين السيارات بالقابس الكهربائي يتكرر السؤال الملح: من اين سوف نأتي بالكهرباء اللازمة لشحنها؟

فحسنا إذا حصلنا عليها من مصادر الطاقة المتجددة. وتعمل بعض البلدان بالفعل تدريجيا على زيادة حصة مصادر الطاقة المتجددة ضمن تشكيلة مصادر الطاقة التي تستخدمها. ولكن الصورة العالمية على العموم تبدو مختلفة. فوفقا للاستعراض الإحصائي للطاقة العالمية الذي أجرته شركة بريتيش بتروليوم عام 2019 اقتصر اسهام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الإنتاج العالمي للكهرباء في عام 2018 على 9.3%. ولا زال الفحم يعتلي عرشه بنسبة 38% ولا زال استخدام الفحم في تزايد خاصة في الاقتصاديات سريعة النمو كالهند والصين على الرغم من تزايد استخدام مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 25% في هاتين الدولتين العام الماضي مما دفع بريتيش بتروليوم الى التحذير ان ذلك لا يكفي لمواجهة ارتفاع الطلب على الكهرباء. وسوف يؤدي التزايد المفاجئ في انتاج واستخدام السيارات الكهربائية الى تعقيد الأمور.

بعيدا عن اسيا أصبح الغاز الطبيعي مصدرا هاما لتوليد الطاقة. ففي الشرق الأوسط تحصل الدول على حاجتها من الكهرباء من الغاز الطبيعي بنسبة 73%. فتحصل المملكة العربية السعودية على 40-60% من احتياجاتها من الغاز والنفط على التوالي بينما تعتمد الامارات العربية المتحدة كلية على الغاز. ولكن هذا لا يعني ان استخدام الغاز الطبيعي قد يحد من الاحتباس الحراري.

وهناك حقيقة لن تقرأها في دليل استخدام السيارات الكهربائية: في الدول التي تعتمد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء سوف يؤدي ازدياد الاقبال المفاجئ على استخدام المركبات الكهربائية بالعالم الى كارثة بيئية. فبعيدًا عن جعل العالم أكثر نظافة، سنقوم ببساطة بنقل التلوث من مخارج عوادم السيارات إلى مداخن محطات الطاقة.

فالغاز الطبيعي له مميزات تفوق النفط والفحم. فوفقا للمختبر القومي لتكنولوجيا الطاقة في الولايات المتحدة ينتج عن احتراق الغاز في محطات الطاقة الحديثة بالغة الكفاءة انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 50-60% اقل مقارنة بمحطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم.

ويذهب اتحاد العلماء المعنيين بالطاقة الى ان الانبعاثات الكربونية ليست جل المشكلة. فاستخراج ونقل الغاز الطبيعي ينبعث عنه كميات هائلة من غاز الميثان أحد مكونات الغاز الطبيعي الذي يتفوق على ثاني أكسيد الكربون في التسبب في الاحتباس الحراري بنسبة 86% في غضون 20 عاما. باختصار ليس هناك دليل على ان الغاز الطبيعي ينبعث عنه غازات مسببة للاحتباس الحراري اقل من الفحم والنفط. من ثم فان الاقبال الجماعي على السيارات الكهربائية قد يكون خطا فادحا يصعب تداركه.

مثالا على ذلك تأتي سنغافورة. في يناير كتب الون ماسك تغريدته شاكيا ان الحكومة لا ترحببالمركبات الكهربائيةاو على الأخص طراز تسلا. في الواقع، تمضي البلاد قدما في نموذج بديل لملكية السيارات الكهربائية.

في الأول من أكتوبر، أعلنت شركة بلو التيأطلقت أول خدمة مشاركة السيارات الكهربائية بالجزيرةومقرها سنغافورة، انها قامت بتركيب محطة الشحن رقم 1000 ويبلغ عدد السيارات من طراز بلو التي تسير بالفعل بالطرقات 530 سيارة. وتلتزم شركة بلو تجاه الحكومة بتركيب الفي محطة شحن وتسيير 1000مركبة كهربائية بحلول عام 2020. المشكلة تكمن في ان 95% من كهرباء سنغافورة تتولد من الغاز الطبيعي وبذلك سوف تعتمد الجزيرة على الغاز الطبيعي أكثر وأكثر مع تزايد الطلب على السيارات الكهربائية. شانها شان سائر بلدان العالم يتزايد استخدام الطاقة المتجددة ولكن ليس بالسرعة التي يمكن من خلالها مواجهة أي طلب إضافي مفاجئ.

وتعتبر الطاقة النووية بديلا بديهيا لكن بناء محطات الطاقة النووية مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً كما ان تأثيرها محدود. على سبيل المثال استغرق بناء 4 مفاعلات نووية بالإمارات العربية المتحدة ما يربو على 10 سنوات. ولدى دخولها الخدمة بعد بضعة أعوام سيكون الطلب على الكهرباء في الامارات أكثر من طاقتهاوقد كان ذلك قبل التوسّع في الطلب على السيارات الكهربائية التي تحرص الإمارات على تبنيها. أضف إلى ذلك تصاعد فاتورة ثاني أكسيد الكربون من احتراق الغاز الطبيعي.

علىالنقيض،إلىأنتصبحأيدولةفيوضعيمكنهامنتوليدالجزءالأكبرمنالكهرباءمنالطاقةالشمسيةأوالرياحأوالطاقةالنوويةأوالطاقةالكهرومائية،فإنالسياراتالكهربائيةيمكنأنتسببعلىالأقلأضرارًاكبيرةلكوكبالأرضشانهاشانالاستمرارفيتشغيلالسياراتالتيتعملبالبنزينأوالديزل.

كما ان الآثار البيئية لاستخدام السيارات الكهربائية على نطاق واسع لا زالت مجهولة. بيد ان تكلفة استهلاك البنزين متوقعة ومحسوبة ويمكن التخفيف منها برفع كفاءة وتطوير سياسات التنقل الصديق للبيئة، والتي تشتمل على فرض الضرائب ومشاركة السيارات والتوسع في وسائل النقل العام.

لحين حصولنا على الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة قد يكون هذا الطريق أكثر الطرق أمانا أمامنا. التحول للسيارات الكهربائية قد يريح ضمائرنا لكنها قد تكون خطوة حسنة النية تتسبب في نتائج عكسية سيئة.

جوناثان جرنال صحفي بريطاني عمل سابقا في التايمز، عاش وعمل بالشرق الأوسط ومستقر حاليا بالمملكة المتحدة