زيارة السيسي لفرنسا هي الفصل الأبرز في الدراما الإغريقية طويلة المدى على الصعيد التُركي

فيصل اليافعي

AFP photo: Bertrand Guay

اختفت الابتسامات خلف الأقنعة الواقية مع وصول الرئيس المصري إلى قصر الإليزيه صباح يوم 7 ديسمبر/كانون الأول، ولكن رغم ظهورها بعد خلع الأقنعة عند المِنصَّة لاحقًا، إلا أن الزعيمين آثرا عدم التطرق إلى موضوعات بعينها. ففضَّل السيسي، من جانبه، عدم التطرُّق إلى موضوع دِفاع الرئيس الفرنسي عن نشر الرسوم الكاريكاتورية المُسيئة للرسول محمد؛ بينما غضَّ إيمانويل ماكرون الطَّرَف عن سِجِل مصر في مجال حقوق الإنسان. واكتفى الطرفان بالإشارة إلى الموضوعين في عُجالة من خلال بعض البيانات الموجزة، قبل أن يمضيا سريعًا.

بالنسبة لكلا الزعيمين، لم يكن سبب اجتماعهما له علاقة تُذكَر بالنقاش المبهم الذي انخرطا فيه على المنصة والذي دار حول القيم الدينية وحقوق الإنسان، ولا حتى كان يتعلق “بالمصالح المشتركة” التي تحدث عنها ماكرون في المؤتمر الصحفي. ولكن كان أكثر ما يقلق الزعيمان هو موضوع سفينة الأبحاث التركية التي تقبع منفردة على بعد “2000” كيلومتر في مياه البحر الأبيض المتوسط.

لاشك في أن رحلة سفينة المسح التركية “عروج بربروس” لا تعدو عن كونها مُقدِمة بسيطة لأحداث تلك الدراما الإغريقية، إلا أن عواقبها السياسية تمتد من قلب أوروبا وصولاً إلى الخليج العربي. ومنذ الصيف، تقوم السفينة التركية باستكشاف المناطق المتنازع عليها، في البحر الأبيض المتوسط، والتي يُحتَّمَل أن تكون غنية بالغاز، وهو ما أثار حفيظة الجيشين اليوناني والفرنسي.

ثار قلق أثينا نتيجة استكشاف ما تعتبره مياهها السيادية – وبسبب عجز الاتحاد الأوروبي الواضح عن التصدي لهذا الأمر- لدرجة أن أثينا سعت إلى إنشاء تحالف سياسي سريع مع الإمارات العربية المتحدة. ووقعت الدولتان فجأة على مُعاهدة دفاع دولي مُشتَرَك في نوفمبر/تشرين الثاني. وفي المقابل، انضمت الإمارات لأول مرة، في الأسبوع الماضي، إلى اليونان وقبرص ومصر لإجراء مُناورة ميدوسا العسكرية قبالة سواحل الإسكندرية. وشاركت فرنسا هي الأخرى للمرة الأولى.

ولعل الشيء الأكثر إثارة للاهتمام هو أن أثينا سعت رسميًا في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني إلى شراء ما يصل إلى 24 طائرة من طراز “إف-35″؛ وهو الطِراز الأكثر تطورًا للطائرات المقاتلة التي تملكها الولايات المتحدة. والمثير في هذا الأمر هو أن الاقتصاد اليوناني المتعثر لا يستطيع تحمل نفقات تلك الطائرات. وعلى أي حال، فلن تحصل أثينا على الطائرات إلا بعد سنوات، ويبدو أنه من المستحيل سياسيًا استخدام تلك الطائرات ضد تلك الدولة المجاورة والمُنتمية إلى حلف الناتو.

(وهذا هو حال العالم المُتشابك لمبيعات الأسلحة والعلاقات الدولية والذي دفع الولايات المتحدة “للترحيب بمصالح اليونان” على الفور، على الرغم من أن الهدف المقصود هو أحد أعضاء حلف الناتو مثل كِلا الدولتين، في حين أن الإمارات العربية المتحدة، والتي تريد بدورها شراء مقاتلات “إف-35” للدفاع عن نفسها ضد دولة تعتبر الولايات المتحدة عدوًا، لاتزال ممنوعة من شراء الطائرات بسبب الكونجرس الأمريكي).

ويكمن السبب الحقيقي لزيارة السيسي الرسمية في الوقت الراهن في أوروبا، وتحديدًا في رفض الاتحاد الأوروبي -كما تراه باريس- اتخاذ إجراءات صارمة ضد تركيا. وعلى مدار أسبوعٍ مضى، حفِلت الصحافة الأوروبية ببيانات شديدة اللهجة ومواضيع إخبارية متعددة تزعم اتجاه الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات. ولكن تظل ألمانيا هي العقبة الرئيسية والتي تفضل إجراء المزيد من الحوار، ورغم أن وزير الخارجية الألماني قال إنه “كان هناك الكثير من الاستفزازات”. إلا أن الاتحاد الأوروبي يبدو غير عازِم على اتخاذ إجراءات واسِعة النِطاق.

من جانبه، يبدو أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد اكتشف هذا التردد الأوروبي، وأدرك أن أي بادرة صغيرة ستكون كافية لتهدئة التوتر- لذا، عادت السفينة “عروج بربروس” فجأة إلى الميناء في الأسبوع الماضي. كما أدلى وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بتصريحات تصالحية قبل انعِقاد قمة الاتحاد الأوروبي، وحث على مُراعاة “حسن التقدير والحكمة”.

قامت تركيا بنفس الأمر قبل انعِقاد قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول، والتي هددت أيضًا بفرض عقوبات على تركيا، حيث سحبت تركيا السفينة “عروج بربروس” قبل القمة بأيام. وانتهى الأمر بعدم فرض أي عقوبات ودون حتى الاتفاق على ما قد يُؤدي إلى وقوعها، ولم تواجه تُركيا سِوى بعض العبارات الحادة والتهديدات. وسرعان ما عادت السفينة “عروج بربروس” إلى مياه البحر الأبيض المتوسط بصُحبة السُفن الحربية المُرافقة لها بغرض الحماية.

وربما يظن أردوغان أنه من الصعب أن يبحث الاتحاد الأوروبي عن معركة جديدة في الوقت الحالي، ولاسيما خلال هذا الوقت العصيب الناجم عن انسحاب بريطانيا من الكتلة الأوروبية فضلاً عن مفاوضات اللحظة الأخيرة التي يبدو أنها تسير بشكل سيئ. ولا شك في أن أردوغان يتوقع أن السفينة “عروج بربروس” ستبحر مرة أخر في القريب العاجل.

لا يثق ماكرون في دبلوماسية الاتحاد الأوروبي. ويرى أن منهج تعددية الأطراف البطيء والمُتعمد الذي يتبعه الاتحاد الأوروبي في تعامله مع تركيا لا يتسم بالفِطنة الكافية ولن يفي بالغرض المحدد. لذلك، يسعى ماكرون إلى “تدويل” هذا النزاع خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وكانت القاهرة هي السبيل الوحيد لذلك. وفي حالة أراد ماكرون الحرص على عدم الاصطدام بدبلوماسية الاتحاد الأوروبي التي لا نهاية لها، ومن قدرته على الرد بقوة على أنقرة، يُصبح السبيل الأمثل أمامه هو بناء تحالف متوسطي.

في نهاية المطاف، تصب دبلوماسية الاتحاد الأوروبي في صالح تركيا. ولا شيء يرضي أردوغان أفضل من استمرار الجدال بين دول الاتحاد الأوروبي. ومع التهديد بالسماح لمزيد من اللاجئين بالدخول إلى أوروبا، يُصبح لتركيا اليد العليا، ويُمكنها الاستفادة أكثر من خلال ربط المفاوضات حول حقوق الحفر والحدود بوضع قبرص، وتأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك وكل ما يخص الاتحاد الجمركي للدعم الفني– خاصة وأن مثل هذه المفاوضات قد تستمر لأشهر.

ولكن إذا تمكن ماكرون من تعزيز التعاون حديث العهد بين اليونان ومصر – والإشارة إلى الاتفاق البحري الذي وقعه الطرفان في أغسطس/آب لمنافسة الاتفاق التركي الليبي– سيتحول الصراع إلى نزاعٍ دولي تستطيع فرنسا أن تلعب دور الوساطة فيه. ومثلما حدث مع الوساطة الروسية في سوريا، سيكون من دواعي سرور باريس أن تكون وساطتها ذات تأثير بالغ.

وهذه هي النية الحقيقية لظهور السيسي في باريس. وبينما طرح أحد الحاضرين، المدركين للشأن السياسي الداخلي، الأسئلة على الزعيمين حول الرسوم الكاريكاتورية المُسيئة واحتجاز نشطاء حقوق الإنسان، كان تركيز ماكرون منصبًا لأقصى درجة على القضية التي تبدو كدراما إغريقية طويلة المدى– والجديرة بأن يحشد “ماكرون” خلالها الحشود المناهضة لتركيا بكل هدوء.

يكتبفيصل اليافعيحاليًا كتابًا عن الشرق الأوسط، وهو أحد المُعلقين السياسيين الذين يتكرر ظهورهم في الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عملفيصللدى وكالات أنباء مثلالجارديانوبي بي سي، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.