على مصر ام الدنيا أن تستجيب للتطلعات البسيطة الخاصة بمواطنيها

أفشين مولافي

AFP Photo: Khaled Desouki

قبل عدة سنوات من الاحتجاجات التي هزت مصر والعالم العربي، قام أحد المدونين الشباب بتقديم تقييم ساخر للوضع الاقتصادي، حيث كتب أنه يتمنى العيش في ام الدنيالأن “جميع الأشخاص قالوا أن المواطنونالذينيعيشون فيها امورهم طبية”، وقد كانت لدى الشاب وجهة نظر واضحة: نعم، ربما أعداد المواطنين التي تشملها التنمية والاستثمارات تبدو جيدة، وأن هؤلاء المواطنين وجدوا رواد الاستثمار الذين يتعاملون مع مصر على أنها “سوق صاعد بسرعة الصاروخ”، لكن على الرغم منذلك فإن الحالة الاقتصادية للمصريين العاديين لا زالت ضعيفة وملتبسة وغير ثابتة.

وبصورة سريعة، بعدها بعشرة أعوام، مرة أخرى بدت الارقامجيدة، فقد أعلن صندوق النقد الدولي أن معدل نمو الاقتصاد المصري بلغ 5.5% خلال العام 2019، وهو أعلى كثيرًا من المعدل الإقليمي الذي يبلُغ 1.3%، كما أن آخر التقارير الاقتصادية الصادرة من البنك الدولي حول مصر أشار إلى أن “النمو الاقتصادي بات قويًا كما أنه يتم على نطاق واسع”، وفي ذات الوقت، فإن الممولين المختصين في الأسواق الواعدة باتوا يرغبونالدخول في معاملات تجارية مع مصر، وأعلن بنك ستاندرد تشارترد إن الاقتصاد المصري سيكون ضمن اكبر عشر اقتصادياتبحلول العام 2030، كما نشرت مجلة بلومبرج تحليلًا اعتبر الاقتصاد المصري أحد أفضل اقتصادين اثنين مرونة ضمن الأسواق الصاعدة في عالم تسيطر عليه الحروب التجارية.

وبينما يتعامل المصرفيون ورواد الاستثمار مع مصر على أنها ستكون من الدولالتي ستحظى بالنجاح الاقتصادي، فإن نسبة البطالة تبلُغ نحو 9%، بينما نسبة التضخم لا زالت تبلُغ نحو 14%، وبينما أدّت الإصلاحات الاقتصادية المصرية إلى إرضاء صندوق النقد الدولي الذي يعتمد برنامجه على خفض الدعم الحكومي وخفض مستويات الدين العام، فإن أغلب المصريين على ما يبدو باتوا في حلقة لا تنتهي من محاولات اللحاق بالأسعار المتصاعدة في ظل ثبات الأجور.

ويمكن لك أن تتفحص تقرير البنك الدولي حول مصر، وحينها ستعرف السبب وراء ذلك، وقد أشار تقرير البنك إلى أن “الأحوال الاجتماعية ظلت على صعوبتها، وذلك بسبب تآكُل الرواتب بفعل التضخم”، علاوة على ذلك، فإن مؤسسة التمويل الدولية أعلنت أن “المشاركة في سوق العمل ومعدل التوظيف الحكومي أصبحا في انخفاض منذ العام 2010″، وأن “تآكُل الرواتب الفعلية هو بمثابة مبعث للقلق بشكل مستمر”، وانخفاض نسبة التوظيف الحكوميبالإضافة إلى العادة المصرية بالتوظيف في الحكومة من اجل تقليل نسبة البطالة.

والحقيقة أن الساسة في مصر باتوا يواجهون معضلة حقيقية وعليهم التكيفمعها، ورغم كل شئفإن تلك المعضلة شبيهة بتلك التي واجهت الرئيس حسني مبارك وصناع القرار السياسي في تلك الحقبة، والتي واجهت الأسواق الصاعدة بسرعة في كل مكان على سطح الأرض، وبالعودة إلى العام 2008؛ كانت مصر تجذب نسبة معتبرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والوزراء المصريون كانوا يقابلون بالترحيب في منتدى دافوس، وباتت الدولة الواقعة في الشمال الإفريقي من الدول الصاعدة بين الأسواق الناشئة، وأعلن تقرير صادر عن البنك العالمي متعدد الأطراف التابع لصندوق النقد الدولي في العام 2008 أن “الإصلاحات المصرية الجريئة، أسفرت عن إظهار أفضل جوانب الأداء المصري خلال سنوات، مما جعل الاقتصاد المصري من أسرع الاقتصادات نموًا على مستوى الشرق الأوسط”.

والنمو السريع على أي حال، لا يعني نمو عملية التوظيف بشكل دائم، وبدلًا من ذلك، فإنه غالبًا ما يعني ظهور مسألة عدم المساواة على المدى القصير، وهذا هو ما حدث في مصر على وجه التحديد قبل اندلاع الاحتجاجات، وهو ما يحدث اليوم أيضًا.

لكن مصر ليست وحدها، فالأسواق الأخرى الصاعدة بسرعة مثل الأرجنتين وتركيا تواجه نفس المشكلات: النمو يبدو جيدًا، والمستثمرين يسرعون إلى تلك الدول، وتمتلئ عناوين المجلات بالأخبار التي تصف اقتصادات تلك الدول بالواعدة، لكن نمو سوق الوظائف لا زال بطيئًا، ونسبة التضخم في ارتفاع، والناس يتساءلون لماذا لا يمكنهم العيش في هذا “العالم الشامل”، وبينما بدأت الأمور تتكشف؛ فإن العملة بدأت تترنح، ومستويات الدين في ارتفاع، وبدأ المستثمرين في التخلّي عن تلك الدول، وهذا كله يؤدي بدوره إلى عدم الاستقرار السياسي.

ولا يعني هذا أن مصر باتت على أعتاب ثورة جديدة، فهناك عوامل متنوعة تسهم في الانقلابات السياسية، وبحيث يكون العامل الاقتصادي غالبًا في المقدمة، لكنه ليس مؤشرًا رئيسيًا، ولا زالت هناك بعض النقاط المضيئة في الأفق.

وأحد تلك النقاط المضيئة يتمثل في الاستثمار في البنية التحتية، والواقع أن مصر أنفقت الكثير على مشروعات الطاقة، أكثر من أي دولة على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك وفقًا لتقرير وكالة الشرق الأوسط لمراجعة الأعمال؛ وفي إقليم تتصدر فيه دول مجلس التعاون الخليجي قائمة الدول التي تنفق على البنية التحتية، فإن مصر احتلت مركزًا متقدمًا في هذا المضمار على مدار السنوات الخمس الأخيرة، وهذا النوع من الإنفاق على البنية التحتية يدعم نمو القطاع الخاص.

وهناك بعض الأخبار الجيدة أيضًا، ووفقًا لتقرير على مجلة الأهرام الاسبوعية كتبته شيرين عبد الرزاق، فإن إجمالي الأرباح التي حققتها شركات القطاع الخاص في مصر ارتفعت بنسبة 10% خلال الربع الأول من العام الحالي، وتلك تعُد نسبة جيدة بالنسبة لنمو أرباح القطاع الخاص، لكن دور الشركات المدعومة من الجيش في مصر فيما يخُص الاقتصاد، بات في صعود بصورة تدعو للقلق، حيث باتت تلك العملية بمثابة تهديد لمستقبل القطاع الخاص في مصر.

ومستقبل الاقتصاد المصري بالطبع يهم 100 مليون من المصريين، لكنه مهم أيضًا بالنسبة لكل من إفريقيا وأوربا، فمصر التي تتمتع بالازدهار والرخاء من الممكن أن تعطي دفعة قوية لدول الشمال الإفريقي وإقليم البحر المتوسط وشرق إفريقيا، فضلًا عن منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ومن الآن يمكن للعالم التعامل مع مصر الصاعدة، والتي لا زالت تصارع من أجل إيجاد مكان لها، وتحاول أن تجعل المنتمين لعالمها الشامل يعملون من أجل حياة أفضل لمواطنيها، وعلى الجانب الآخر فإن الدولة المصرية والاقتصاد المصري الفاشل سينتج عنهما أخطارًا منتظمة يتعرض لها إقليم البحر المتوسط وأوربا ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

وهناك مؤشرات اقتصادية إيجابية تشهدها مصر الآن، لكن تلك المؤشرات يجب أن تتحول إلى نتائج عاجلًا وليس آجلًا، من أجل إقناع الشعب بتلك الإصلاحات، لأن مستقبل مصر لم يعُد وحده على المحك.