إلى أين تتجه الأمور في شرق المتوسط؟

هنري جي باركي

AFP Photo: Handout/Turkish Defense Ministry

تصاعد التوتر بشكل واضح في منطقة شرق البحر المتوسط؛ حيث قام كل من الأسطولين اليوناني والتركي بإجراء تدريبات مناوئة للطرف للآخر، وبدأت سفينة المسح الزلزالي التركية أوروتش ريس ، بصحبة البوارج الحربية، بممارسة الأنشطة الاستكشافية في مناطق تعتبر ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لليونان، وبشكل متناسب، فإن الخطاب العدائي الصادر عن أطراف الصراع، والذي يصاحب تلك التوترات، بدأ في التصاعُد، وقد شعرت الدول الأوروبية بالانزعاج بسبب تلك التطورات: فعلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما بوسعها للتخفيف من تلك الضغوط، أما فرنسا،على العكس، كانت لها وجهة نظر مختلفة بشأن ما رأته سلوكًا تركيًا عدوانيًا وساندت اليونان بشكل واضح عبر نشر سفنها البحرية في المنطقة التي تشهد التوتر.

ويأتي أصل هذا النزاع من الخلاف حول ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية لكل دولة، وهو إجراء يفترض أنه اكتسب أهمية كبرى وضرورة بعد ظهور اكتشافات ضخمة من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، وبدأت مصر وإسرائيل وقبرص في النجاح في استغلال حقول الغاز الخاصة بكل دولة بدرجات متفاوتة، وبدأت الدول الثلاث جهودًا مشتركة من أجل تصدير هذا الفائض من الغاز، وبدأ منتدى غاز شرق المتوسط، الذي تألف من تلك الدول إلى جانب اليونان والأردن وفلسطين وإيطاليا، في السعي لإيجاد وسائل لفتح طرق لتصدير الغاز إلى أوروبا سواء كان ذلك عبر الأنابيب أو عبر منافذ الغاز الطبيعي المسال.

أما تركيا، التي احتلت شمال قبرص منذ الغزو الذي قامت به في العام 1974، فقد أبدت غضبها من تلك الجهود، وبدأت بشكل عدواني في توسيع المنطقة الاقتصادية الخاصة بها على حساب كل من قبرص واليونان بصورة خاصة، ورفضت أنقرة الاعتراف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بالجزر اليونانية الرئيسية، مثل جزيرة كريت، وقامت أنقرة بالتوقيع على اتفاقية مع إحدى الحكومتين في ليبيا التي تمزقها الحرب الأهلية، وأسفر هذا التصرف عن تقسيم البحر المتوسط بصورة فعلية، واعتراض جميع الأطراف التي لها مصلحة في تلك المنطقة.

ولو كانت تركيا قادرة على الاستمرار في مطالبها بحماس؛ فإن هذا يعزي إلى أن أنقرة قامت على مدار سنوات عديدة ببناء أسطول صغير من سفن المسح الزلزالي والتنقيب – وسميت كل تلك السفن، وبطريق الصدفة، باسم الأميرالات أو السلاطين الذين يعودون إلى الحقبة العثمانية، والآن، بات يرافق سفن التنقيب تلك أسطول بحري ضخم، وتلك السياسة الهادفة والاستثمارات تدل على أن الأتراك لن يستسلموا وأنهم مستمرون في استراتيجية الاستكشاف الحالية.

وخلال الأسبوع الماضي أعلنت حكومة أردوغان، بطريقة يشوبها الكثير من الضجة، عن بشرى اكتشاف كميات من الغاز في البحر الأسود، وقد جاء هذا الإعلان بشكل متسرع نوعًا ما حيث قال مُعظم خبراء الغاز أن الاكتشاف لم يتأكّد بصورة كاملة حتى الآن، لذا فإن الإعلان عن هذا الاكتشاف كان له أهمية معنوية أكثر من المادية، وكان هذا الأمر مبعثًا للفخر؛ حيث أثبت أن تركيا تستطيع، وبالاعتماد على التكنولوجيا المحلية – ناهيك عن أن بعض الأطقم التي تعمل على سفن التنقيب مستأجرة من شركات أجنبية، اكتشاف تلك الموارد بالجهود الذاتية. وكما أشار أردوغان والكثير من الأتراك، فإن الاكتشافات التي ظهرت في البحر الأسود تعُد مؤشرًا على المزيد من النجاحات المشابهة التي يمكن تحقيقها في شرق المتوسط. وبات البحر الأسود وبحر إيجة وشرق المتوسط ضمن حدود الوطن الأزرق التركي،وهو المصطلح الذي ابتدعه ضباط البحرية القوميين والذي بدأ ينتشر خلال الأحاديث التركية اليومية.

ولو أصر الأتراك الذين يملكون قوات بحرية وجيشًا قويًا في المنطقة على موقفهم فيما يخص الثروات الموجودة في شرق المتوسط، فإن فرص المواجهات البحرية التي تدهورت إلى المستوى السياسي – العسكري ستزيد بكل تأكيد؛فخلال الشهر الحالي، حدثت مواجهة محدودة بين سفينة حربية يونانية وأخرى تركية، وقبل هذا، دخلت سفينة حربية فرنسية وأخرى تركية في مواجهة شديدة بالقرب من ليبيا، وتلك التطورات دفعت بوزير الخارجية الألماني هايكو ماس للتحذير من أن اليونان وتركيا تلعبان بالنار.

وقد سعى أردوغان إلى بناء تحالف يملؤه الحماس وتشكيل رأي عام في الداخل التركي يدعم بشكل متصاعد خطابه الذي يدعو للمواجهة ودعاوى الحقوق التركية التي لا يمكن التنازل عنها في تلك المياه. وهناك تفسيرين لهذا السلوك: ربما يهدف أردوغان – الذي لم يشرك قبرص منذ رفض تركيا الاعتراف بها – إلى أن يتم التفاوض معه حول نصيب كل طرف من تلك الموارد، وهذا الأمر على أي حال من الصعب على المرء أن يتصوره، لأن القانون الدولي في صف اليونان، فضلًا عن أن هناك تحالف ضخم من الدول التي تدعم اليونان، وأيضًا طالما أن أردوغان على ثقة من قدرته في تغيير الإرادة السياسية، فإن تصلب المشاعر القومية في الداخل التركي ربما تظهر لتكون بمثابة عائق أمام الرئيس التركي.

وبدلًا من ذلك، ربما أردوغان، الذي نجح في تعديل الوضع التركي لتصبح أنقرة قوة مؤثرة،يقامر اعتمادًا على دبلوماسية ترامب، لكن في النهاية، لن يرغب أحد في الدخول في حرب بسبب بضعة حقول من الغاز الطبيعي. وإلى حد كبير، فإن أردوغان على ثقة أن سياسة حافة الهاوية قدّمت له خدمات جيدة في أماكن أخرى كما أظهرت في سوريا، وما يجعل الأمور تزداد سوءًا هو أنه لا يوجد أي شخص في حاشية أردوغان يجرؤ على معارضته.

وسيعتمد مستقبل الأحداث في شرق المتوسط، بافتراض عدم تفاقم الوضع، على نتائج الانتخابات الأمريكية؛ حيث أن أردوغان الذي حصل من ترامب على الضوء الأخضر في الكثير من المواقف لم يحظى بتعاطف من مرشح الانتخابات الرئاسية الأمريكية جو بايدن. وعلى العكس، فإن إدارة بايدن تدرك العواقب الوخيمة لتلك الأزمة خاصة فيما يتعلق بحلف الناتو، كما أنها ستستغل نفوذ واشنطن القوي من أجل تقليل، إن لم يكن إنهاء/ تلك التوترات.

هنري جي باركي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي، ومساعد كبير الباحثين لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، وقد تقلّد العديد من المناصب، فقد خدم سابقًا كعضو ضمن موظفي تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، وعمل بشكل أساسي في القضايا التي تخص الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط والمخابرات.