تركيا هي الدولة الأكثر تضررًا من الزلازل

الكسندرا دي كرامر

AFP photo: Yasin Akgul

شهد العالم هذا العام اثني وعشرين “22” زلزالاً مدمرًا حتى الآن، وكان أسوأها ذلك الزلزال الذي ضرب مدينة “إزمير”، ثالث أكبر المدن التركية في 30 أكتوبر/تشرين الأول، وخلف وراءه أكثر من 100 قتيل، الأمر الذي يُمثل خسارة مُفجِعَة بما فيه الكِفاية. ولكن يُصبح هذا الأمر غير مقبول عندما يرتبط ارتباطًا واضحًا بإخفاقات الحكومة.

لطالما عانت تركيا من البناء غير الخاضع للرقابة وغير المنظم وغير المصرح به والزحف العمراني غير المخطط له. ولكن في ظل حكم حزب العدالة والتنمية (AKP) وهوسه بالبناء، بات الأمران خطيرين؛ فقوانين البناء حافلة بالمناطق الرمادية، وهو الأمر الذي فشل حزب العدالة والتنمية في معالجته. ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو دأب الحكومة على التسامح مع الذين يشيدون المباني دون تصاريح أو تراخيص مناسبة، لأنها تُهيء لشركات البِناء المناخ الذي تشعر فيه بأنها يُمكنها الإفلات من مسألة تجاهل اللوائح دون التفكير في مدى الخطر الذي تُعرض له حياة مُواطنيها.

ومنذ عام 1948، أقر البرلمان التركي 19 “قانونًا للعفو عن المناطق”، وهي قوانين لإعفاء المسؤولين عن التشييد غير القانوني للمباني، أو إضافة ملحقات إلى المباني الموجودة بصورة غير قانونية، عند دفع الرسوم. وتوفر تلك القوانين عائدات سهلة للحكومة، لكنها تترك البلاد مُكدَّسَة بالمباني غير الملائمة وغير الآمنة – حيث يُوجد حوالي 40000 مبنى، وفقًا لبعض الخبراء. وأوضح مراد كوروم، وزير البيئة والتطوير العمراني، في عام 2019 قائلاً: “ربما صدر قرار عفو بشأن المباني بموجب قانون العفو عن المناطق، ولكن هذا لا يعني أن تلك الأبنية راسخة أو صلبة”.

وصدر أحدث قوانين العفو عن المناطق في مايو/أيار 2018. واستفاد من هذا القانون “1,8” مليون شخص من جميع أنحاء تركيا، وامتلأت خزائن الحكومة بما يعادل 2 مليار دولار. وفي إزمير، التي شهدت ذلك الزلزال المميت الذي ضرب المدينة مؤخرًا، كان هناك حوالى “811000” طلب مرتبط بالمباني غير القانونية. قالت سيلين سايك بوك، التي تشغل منصب الأمين العام لحزب الشعب الجمهوري المعارض، وعضوة البرلمان عن إزمير، “لا يُوجد أي أولوية للجودة والتنظيم والإشراف”.

وفي عام 1999، ضرب زلزال مدينة غولكوك، وهي مدينة تقع على ساحل بحر مرمرة، وأدى إلى مقتل أكثر من “18000” شخص، على الرغم من أن التقارير غير الرسمية أشارت إلى أن عدد الضحايا أكثر من “45000” شخص. وأظهرت التحقيقات في الكارثة أن “120000” منزل من المنازل التي أُصيبت بأضرار بالغة لا يُمكن إصلاحها كانوا منازل سيئة التصميم. وصار من الواضح، أن هناك حاجة مُلِحَّة، أكثر من أي وقتٍ مضى، إلى وجود مقاولي بناء مؤهلين ومرخص لهم بشكل صحيح. ولكن لم يطرأ تغيير كبير.

ويتعين على المقاول المحتمل استيفاء ثلاثة أمور للحصول على شهادة كفاءة، وهي: سجل جنائي نظيف، ونموذج طلب وحوالى 300 دولار أمريكي. ولا يوجد أي ذكر للتدريب أو المؤهلات. وهذا يفسر إلى حدٍ ما سبب وجود “454000” مقاول مرخص في تركيا، في حين أن ألمانيا، والتي تتشابه مع تركيا في المساحة وعدد السكان، بها “274000” مقاول مرخص.

وتشهد الجثث الأربع والثلاثون “34” المدفونة تحت أنقاض المجمع السكني “ريزا باي” في إزمير الشهر الماضي على انعدام سيادة القانون في صناعة البناء التركية مثلما كان الحال في الغرب الأمريكي القديم. كان البناء المكون من ثمانية طوابق مُقام على أرض مستنقع، وكشف تحقيق لاحق عن استخدام مواد غير مُناسبة في بناء المبنى.

يُمثل عدم التفتيش على شركات البناء، وغياب أي إنفاذ لقوانين البناء أحد القضايا الرئيسية التي تُطرَح كُلما جري التحقيق بعد وقوع مأساة كالتي حدثت في مجمع “ريزا باي” السكني. وقدم السياسيون المعارضون 58 اقتراحًا منذ عام 2003 يحثون فيها على إنشاء إدارة للتفتيش على المباني لضمان سلامتها. ولكن حزب العدالة والتنمية صوت بالرفض لجميع الاقتراحات. كما دعت المعارضة إلى سن قانون من شأنه أن يحد من البناء ويُنظمه في 18 بلدية من البلديات الأكثر عُرضة للزلازل على وجه الخصوص. ولكن تمرير ما يسمى بـ “قانون الصفائح التكتونية” يستلزم إدخال تعديل على الدستور التركي، وهو الأمر الذي لم يناقشه البرلمان بعد.

ومنذ عام 2002، يقوم دافعو الضرائب الأتراك بتسديد “ضريبة الزلزال” كضريبة إضافية على كل معاملة مالية يقومون بها، بدءًا من ضريبة الدخل وصولاً إلى ضريبة السيارات، وحتى على شراء تذاكر الطيران. وفُرِضَت ضريبة الزلزال كإجراء مؤقت لإنشاء صندوق للطوارئ والكوارث، وجمع هذا الصندوق أكثر من 140 مليار ليرة تركية (17.4 مليار دولار) من أموال دافعي الضرائب.

ومع ذلك، هناك شكوك واسعة النِطاق بأن أموال هذا الصندوق قد استُخدِمَت في غير محلها – وهي فكرة عززها “محمد شيمشك”، وزير المالية السابق، والذي اعترف بإنفاق أموال الصندوق على الصحة والتعليم وبناء الطرق السريعة. وعند استجواب الرئيس رجب طيب أردوغان في كانون الثاني/ يناير الماضي بعد الزلزال الذي ضرب المنطقة الشرقية في معمورة العزيز (إيلازيغ) وخلف 41 قتيلاً، أجاب أردوغان بأنه “ليس من شأن أي شخص أن يسأل أين أُنفِقَت أموال ضريبة الزلزال. لقد تم إنفاقها حيثما يجب أن تُنفَق “.

ولم يكن هذا الرد قاسياً فحسب، بل كان خاطئًا أيضًا. حيث أن كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب هي من صميم شأن الجميع – وهذا ما ينص عليه القانون. ويشير خُبراء القانون إلى أن قانون إدارة المالية العامة والمراقبة في تركيا يلزم الحكومة بأن تتحلى بالمسؤولية والشفافية بشأن كيفية إنفاقها لأموال دافعي الضرائب.

وتُشكل الزلازل واقع من وقائع الحياة في تركيا. ولا أحد يُمكنه تجاهُل الطبيعة، ولكن يُمكن البناء مع مُراعاة وضع الزلازل وبحرص، على النحو الذي يكبح قوة الطبيعة. وإلى أن يحدث ذلك، لا يسع تركيا سوى انتظار مأساتها التالية.

ألكسندرا دي كرامر، صحفية مقيمة في إسطنبول. قامت بتغطية موضوع الربيع العربي من بيروت أثناء عملها مع صحيفة “مِلليت” كمُراسلة صحفية بمنطقة الشرق الأوسط. ويتراوح عملها ما بين الأحداث الجارية والموضوعات الثقافية، ولها مقالات في مجلة “مونوكل”، و”مجلة كوريير”، وصحيفة “Maison Francaise”، وصحيفة ” اسطنبول آرت نيوز”.