مطالبة جيبوتي بالسيادة على الميناء تمثل سابقة خطيرة لأفريقيا

جوزيف دانا

هل في إمكان أفريقيا مساعدة نفسها؟ ربما يحمل السؤال معنى التعالي، غير أن أهميته لا يمكن إنكارها، وعلى عكس قرون من الاستعمار، والتنمية الزهيدة والنمو الاقتصادي غير المتكافئ، بدأت الدول النامية حول العالم في التحول بفضل القدرة على التواصل والبنية التحتية غير المسبوقة، وزيادة نسبة الطبقة المتوسطة حول العالم، والتوسع السريع في الحضر – وتشكل أفريقيا محور تلك التغيرات. هذا وتعد القارة الأفريقية بمثابة القارة الاكثر شباباحيث يبلغ متوسط أعمار مواطنيها تسعة عشر 19 عامًا، ورغم ذلك يبقى قادتها هم الأكبر سناً حول العالم.

ورغم ذلك، يزداد الشباب الأفريقي تواصلاً وتحضرًا وحرصًا على العمل. غير أن أفريقيا مازالت تعاني من بقايا الاستعمار في ثوبه الجديد. فمن خلال المبادرة التي أطلقتها دولة الصين وتسمى بمبادرة الحزام والطريق، وهي مشروع اقتصادي عالمي تسعى الصين من خلاله إلى إعادة رسم خريطة التجارة الدولية، وسعت بكين رقعة نفوذها في جميع أنحاء القارة الأفريقية، وهناك أيضًا مشروعات البنية التحتية والقروض التنموية لعدد من الدول الأفريقية، وهو ما جسد ساحة بارزة من النفوذ. والشيء الجيد في هذا الأمر هو أن شركات التكنولوجيا الصينية قد استفادت من مشروعات البنية التحتية الحكومية ومشروعات الإعانة لتقدم للدول الأفريقية هواتف محمول رخيصة وتمنحها إمكانية الدخول إلى منصات الإنترنت الصينية مثل WeChat، وتكمن المشكلة في أن الدول الأفريقية وقعت فريسة للديون.

وبغض النظر عن كون الأمر جيدًا أو سيئًا أو مزيجًا من الأمرين معًا، فسيتوقف النفوذ الصيني في القريب العاجل. وبالتالي، فإنه من الحكمة أن تنوع الدول الأفريقية من مستثمريها. قد يكون العثور على شركاء متحمسين لهذه الدرجة المهمة الأسهل فعليًا، إلا أن تغيير القوانين وخلق بيئات تنظيمية واضحة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمحافظة عليها هي المهمة الأكثر صعوبة. إن الإجراءات الأخيرة التي قامت بها حكومة جيبوتي لتأميم أهم الموانئ على سواحلها كان عاملاً في إبراز التحديات التي تواجهها الدول الأفريقية. وتمثل تلك الواقعة حكاية تحذيرية للدول التي تبحث عن مستثمرين خارج الصين والغرب.

تشكل حركة الملاحة البحرية أمرًا بالغ الأهمية للاقتصاد الأفريقي. ومع حلول العام 2040، من المتوقع أن ترتفع حركة الملاحة البحرية إلى 2 مليار طن والفضل في ذلك يعود إلى الطلب المتزايد والبنية التحتية المطورة. وتاريخًيا، كانت الموانئ الأفريقية غير مجهزة لاستيعاب حجم التوسع في حركة الملاحة البحرية، ولكن الشركاء الدوليون أوجدوا حلاً للمشكلة، ومنهم شركة موانئ دبي العالمية والتي تصدرت هذا المشهد. وتدير الشركة المشغلة للميناء والمملوكة لحكومة دبي ثمانية موانئ في خمس دول أفريقية وهي – مصر وموزنبيق والسنغال والجزائر وجيبوتي، بالإضافة إلى عمليات الشحن والتفريغ في جنوب أفريقيا.

هذا ويتعرض ميناء دوراليه للحاويات والذي تديره شركة موانئ دبي العالمية إلى انتقادات لاذعة بسبب تأميم الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي أحد الشركات المالكة لأغلب أسهم الميناء. وتمثل دولة جيبوتي الواقعة على القرن الأفريقي محطة وصول هامة لاعتبارات اقتصادية دولية وجيوسياسية في المنطقة. فهناك العديد من الدول التي تدير منشئات عسكرية في البلاد، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، وتنتقل التجارة من آسيا مرورًا بقناة السويس إلى أوروبا عبر مياه دولة جيبوتي.

واشتدت وتيرة الخلاف حول ميناء دوراليه للحاويات في شهر فبراير عندما استولت حكومة جيبوتي على الميناء وأبلغت شركة موانئ دبي العالمية بأنها أنهت الامتياز الذي منحته للشركة في العام 2006 والذي يخول للشركة إدارة الميناء. وفي يوليو، أنهى ميناء جيبوتي، هذا الكيان الذي يتحكم بفعالية في ثلثي حصة الملاحة في ميناء دوراليه ، اتفاقية المساهمة مع شركة موانئ دبي العالمية وذلك وفقًا لما نقلته جريدة وول ستريت . وفي سبتمبر، أمم الرئيس الجيبوتي ميناء جيبوتي.

ويزداد الأمر تعقيدًا بسبب الأمر القضائي الذي حصلت عليه شركة موانئ دبي العالمية من المحكمة العليا في إنجلترا وويلز وتقضي فيه المحكمة بأن ما قامت به جيبوتي من طرد شركة موانئ دبي العالمية من المشروع هو عمل غير قانوني. هذا وقد سعت شركة موانئ دبي العالمية إلى التحكيم الدولي بشأن الخلاف على الميناء أمام محكمة لندن للتحكيم الدولي، وبعد صدور قرارين لصالحها، قدمت شركة موانئ دبي العالمية شكواها إلى المحكمة العليا لاستصدار قرار ثالث في هذا الشأن. ومن جانبها، أفادت حكومة جيبوتي بأن صراع شركة موانئ دبي العالمية على الميناء ما هو إلا محاولة منها للوقوف ضد إرادة دولة ذات سيادة. وكان هذا التعليق بالإضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة سببًا في تعقيد موقف الدولة في بداية تلك المهمة الشاقة.

ومع صدور حكم المحكمة العليا في إنجلترا وويلز بأن تصرفات حكومة جيبوتي ضد شركة موانئ دبي العالمية هي تصرفات غير قانونية وتخالف شروط الاتفاقيات التجارية التي وقعها الطرفان فيما يتعلق بالميناء. ويكمن القلق الأكبر في أن تحذو دول أفريقية أخرى حذو هذا النموذج الخاطئ الذي سلكته دولة جيبوتي.

إن الإستراتيجية الأفضل لدول أفريقيا لتحقيق التوازن في مواجهة المصالح الاقتصادية للصين والغرب هو تنويع تدفقات الاستثمارات الأجنبية من الدول الأصغر. وتشكل دول الخليج العربي شريكًا هامًا للعدد من دول القارة الأفريقية، نظرا لروابطها التاريخية مع القارة وقوتها الاستثمارية،. وقد أظهرت دولة الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، رغبة قوية للاستثمار في القارة الأفريقية، غير أن تلك الرغبة سرعان ما ستتلاشى في حال عدم احترام سيادة القانون أو المحافظة عليه.

قد يتسرع البعض في الدفاع عن النهج الذي سلكته حكومة جيبوتي بخصوص تأميم الميناء وسلطة الدولة ذات السيادة، والحقيقة هي أن الدولة كانت انتقائية في فهمها للسيادة. ففي الوقت الذي تهاجم في الدولة شركة موانئ دبي العالمية ، لم تقل الحكومة أو تفعل إلا القليل حيال المشروعات الصينية في البلاد.

إذا أرادت الحكومات الأفريقية، كحكومة جيبوتي، أن تكون جادة في مسألة التأميم، فالسبيل الأفضل لذلك هو إنشاء بيئة تنظيمية صارمة والمحافظة عليها وذلك لتشجيع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة. إن تغيير القانون في منتصف الطريق كما هو الحال في ميناء دوراليه لا يمثل شيء سوى زيادة المخاطر أمام المستثمرين بشكل لا يمكن تقديره. وربما ما يرغب المستثمرون في فعله في نهاية المطاف هو الهروب فقط. إن قرع طبول الغوغائية قد يكون مفيدًا للسياسيين على المدى القريب، ولكن حتى تتمكن الدول الأفريقية من الازدهار اقتصاديًا والاستقلال بصورة حقيقة فمن الواجب عليها أن تتبنى إستراتيجية حكيمة لجذب الاستثمار الأجنبي.

AFP PHOTO/Yasuyoshi CHIBA