جيبوتي: طريق الصين نحو التوسع العسكري

يون صن

افتتحت الصين في عام 2017 أول قاعدة عسكرية لها خارج البلاد وكان ذلك في دولة جيبوتي، والآن، وبعد مرور عام على افتتاح تلك القاعدة العسكرية، ظهرت العديد من التفاصيل التي توضح بشكل أفضل السبب الذي دعا بكين إلى إنشاء تلك القاعدة العسكرية، وأن تبني حساباتها العالمية على تلك المنشأة. وكانت بكين دومًا تستخدم مصطلحات رقيقة للتعبير عن الأسباب المنطقية التي دفعتها لإنشاء تلك القاعدة، ورغم ذلك، كان هذا السرد يخفي ورائه طموحات صينية أشمل وأكبر مما هي عليه، كما يخفي هذا السرد أيضًا النهج بالغ التعقيد والذي تنتهجه الصين لتحقيق أهدافها. إن جيبوتي مرحلة هامة على صعيد الطموحات العالمية للعسكرية الصينية.

وكانت الصين تقلل دومًا من أهمية مواقعها العسكرية، وقللت بدرجة كبيرة من أهمية سعة قاعدتها العسكرية والغرض منها، حيث كانت الصين تطلق على تلك القاعدة العسكرية، قبل الانتهاء منها، اسم “المنشأة الخارجية لتوريد الخدمات اللوجيستية”. وتغير هذا المسمى تدريجيًا ليصبح الآن “قاعدة التوريد” – ورغم ذلك، مازال الموقع “غير عسكري”. وحرصت وسائل الإعلام الصينية حرصًا شديدًا على الإعلان تفصيلاً عن كيف أنه من غير المعقول مقارنة القاعدة العسكرية بالمنشئات البريطانية أو الأمريكية، ومن ذلك على سبيل المثال، المقارنة بينهم في ضوء البنية التحتية والمعدات المستخدمة والإمكانيات الموجودة بالقاعدة، والسبب الذي يجعل بكين تتفادى عن عمد استخدام مصطلح “قاعدة عسكرية” هو تجنب لفت الانتباه إليها أو إثارة الشكوك حولها أو تهديدها، غير أن الأنظار تلتفت إليها في أغلب الأحيان وإن كانت بصورة غير مجدية. وتبقى الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي – من منطلق تسمية الأشياء بأسمائها – أن القاعدة تخضع لسيطرة الجيش الصيني وهو المسؤول عن تطويرها واستخدامها.

وبسبب الأيديولوجية التي تنتهجها الصين فيما يتعلق “بعدم التدخل” في المزيد من المسائل السيادية، وعدم الانحياز، كانت الصين تواجه مشكلة في تبرير رغبتها في التواجد عسكريا خارج حدودها. ولهذا سعت الصين إلى مواراة تلك الرغبة من خلال نيل الشرعية عبر تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإرسال بعثات لحفظ السلام، ويتأتى ذلك بعد موافقة الدولة المستضيفة. وفي حالة دولة “جيبوتي”، رأينا كيف استغلت الصين هذا الأمر لزيادة الرهان تدريجيًا.

وبدأت الصين في العام 2008 إرسال بعثات حراسة بحرية إلى خليج عدن، وذلك في أعقاب سلسلة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتنمح تلك القرارات الحق للدول في إجراء عمليات عسكرية في المنطقة لمكافحة القرصنة. وعلى مدار عشر “10” سنوات اعتبارًا من العام 2008، أرسلت الصين إلى المنطقة ثلاثين “30” فرقة خاصة للحراسة البحرية أي بمعدل ثلاث فرق كل عام. ومهدت تلك البعثات الطريق للصين للمطالبة بمركز للخدمات اللوجيستية لتقديم الدعم والمؤن لقواتها في المنطقة، وبعدها تستطيع الصين الدخول إلى “جيبوتي” ذات الموقع الجغرافي الفريد من نوعه فضلاً عن فرصتها في التعامل مع القوات الأجنبية الأخرى العاملة فيها. (ملاحظة: قدمت الصين طلبات خاصة لزيارة القواعد العسكرية الأمريكية المجاورة لها، غير أن البنتاجون رفض هذا الطلب.)

وتبقى المشكلة في أن القصة الصينية لم تكن بالحبكة المطلوبة. فالقرصنة قبالة ساحل صوماليلاند انخفضت ما بين العام 2012 والعام 2017 – وبالتحديد تلك الفترة التي تفاوضت فيها الصين لإنشاء “قاعدة التوريد” الخاصة بها في جيبوتي. وبمعنى آخر، على الرغم من أن الصين قد استندت في حاجتها إلى مركز الخدمات اللوجيستية على توفير بعثات مفوضة من الأمم المتحدة لمكافحة القرصنة، فإن تطوير القاعدة لم يحدث إلا في الوقت الذي سجلت فيه معدلات القرصنة أدنى مستوى لها.

وعقب افتتاح القاعدة، عملت الصين على إحكام سيطرتها على المنشأة وزيادة قدراتها، وكان هذا بالتزامن مع التمويل السخي الذي قدمته الصين لإنشاء ميناء جديد، ومنطقة تجارة حرة وخط سكك حديد ومحطة للطاقة الكهربية ومشروعات لتوفير المياه. وفي شهر مايو من العام الحالي، أقر الجيش الصيني بأنه كان يبني مرفأ جديد عند قاعدته العسكرية في جيبوتي. وساهم تطور البنية التحتية في جيبوتي في دعم عمليات القاعدة العسكرية الصينية، فضلاً عن ضم حكومة جيبوتي بركب الفلك الصيني. وتأخذ حكومة جيبوتي على عاتقها مسؤولية الدين العام والذي يعادل “88%” من إجمالي الناتج المحلي، مع العلم أن الصين تمتلك معظم تلك النسبة. ومن خلال هذا الدين الهائل الذي تدين به جيبوتي إلى دولة الصين، أصبحت قدرة جيبوتي على معارضة مطالب الصين أو رفضها أمرًا بالغ الصعوبة.

وبالرغم من أن الصين قد وصفت القاعدة بأنها موجهة لتوفير الخدمات اللوجيستية، فإن ما تقدمه تلك القاعدة من أعمال يشير إلى أنها تُستخدم في أعمال ضئيلة الفائدة. وبعد مرور شهرين على افتتاحها، بدأت الصين في إجراء تدريبات عسكرية وتدريبات على إطلاق النار بالذخيرة الحية من أجل التعرف على نموذج نشر القوات العسكرية خارج البلاد وفقًا لما قاله جيش التحرير الشعبي الصيني، وتطوير قدرة الجنود الصينيين على المناورة بالأسلحة بشكل كامل، وتنفيذ مهمات عسكرية متنوعة.” كما وسعت الصين من نطاق انتشار قواتها في المنطقة. والآن، يقدم الجنود الصينيون أيضًا “المساعدة الإنسانية” و”[يساهمون”] في نشر السلام والاستقرار في أفريقيا.”

وبالطبع، لا يوجد حكم في القانون الدولي يتعارض مع تطوير الصين لقواعدها العسكرية خارج البلاد، مثلما لا يوجد سبب يجعل الصين عرضة لأحكام مختلفة عن باقي القوى العظمة والتي لها قواعد عسكرية في جيبوتي. ورغم ذلك، تظل الطريقة التي أقدمت بها الصين على إنشاء قدراتها العسكرية طريقة مثيرة للشك والريبة، علاوة على أن الصين لا يمكنها بشكل نهائي إثبات نواياها الخيرية المفترضة والدفاع عنها. إن النهج الذي تسلكه الصين ويحمل في طياته أجندة خفية – مستخدمة في ذلك تفويض الأمم المتحدة والديون – لنيل مرادها في جيبوتي، هو نهجٌ يبعث على القلق، وبهذا فإن التعليمات التي تتبعها الصين تتحدى قواعد اللعبة.

وبالفعل، النوايا هي كل شيء في السياسة، والنوايا الصينية تجاه جيبوتي ليست إلا البداية فقط، وتمثل جيبوتي الفصل المفتوح نحو الوجود العسكري الصيني خارج البلاد. وبعد أن جمعت الصين الخبرات وتعلمت الدروس المطلوبة واكتسبت المعرفة الكافية، هناك مصادر داخل بكين تقول بأن الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن يشرع الصينيون في بناء المزيد من القواعد خارج البلاد.

إن التوسع خارج البلاد أشبه بالمنحدر الزلق، ولن تجد القوى العظمى أية صعوبة في طرح حجج مبتكرة (أو “مشروع” مزعوم) للتوسع أكثر خارج بلادها. وفي أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، كافحت القيصرية الألمانية “الرايخ الألماني” لنيل “مكانة مرموقة” في هذا العالم، وكان هذا تمهيدًا لتوسعها البحري. واقتبس اليابانيون فكرة “مجال الازدهار المشترك لشرق آسيا العظمى” لتبرر الاحتلال الذي قامت به خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الاحتلال الذي أثار امتعاض جميع الدول في قارة آسيا، بما فيهم دولة الصين. ربما تدعي بكين أنها “استثناء”، وأن أفعالها تجاوزت حسابات الواقع السياسي في الدول الأخرى. غير أنه في تلك الحالة، لا فرق بين الصين وبين محبي السيطرة من الأمريكيين ممن يجدون متعة في الإكثار من نقد الغير.

تعمل “يون صن” مديرة للبرنامج الصيني، ومدير مشارك لبرنامج شرق آسيا التابع لمركز “ستيمسون” ومقره واشنطن العاصمة. وتمتلك “يون” خبرة في السياسة الخارجية الصينية، والعلاقات الأمريكية الصينية، وعلاقات الصين مع الدول المجاورة لها والأنظمة الاستبدادية.

AFP PHOTO/STR/China OUT