الانقسامات حول ليبيا باتت تنتشر اليوم عبر البحر المتوسط

فيصل اليافعي

AFP Photo: Adem Altan

على مستوى عواصم الشرق الأوسط وأوروبا بات الساسة يستهدفون التورط التركي في ليبيا – ولكن اليوم بات الجميع يتجنّب ذِكر تركيا بالاسم، وفي العشرين من يوليو اتخذ البرلمان المصري قرارًا غير عادي حيث صوّت بالإجماع على إرسال قوات مصرية إلى الخارج دون ذِكر ليبيا أو تركيا بالاسم.

وبعدها بأيام وتحديدًا في الثامن عشر من يوليو أصدر قادة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بيانًا مشتركًا نادرًا؛ حيث احتوى البيان للمرة الأولى على التهديد بفرض عقوبات على الدول التي تخالف قرار الأمم المتحدة بحظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا، ومرة أخرى لم يتم الإشارة لدولة محددة بالاسم – لكن المستهدف من البيان معروف بالفعل.

والانقسامات حول ليبيا باتت تنتشر الآن عبر البحر المتوسط أكثر من الحرب السورية، وباتت هناك حرب بالوكالة تخطط لها عدة عواصم على مستوى الشرق الأوسط وأوروبا.

وأحيانًا ما يبدو أن الصراع يتمحور حول مستقبل ليبيا السياسي، وذلك لأن كل من تركيا ومصر قد وجدت نفسها تدعم طرف من أطراف الحرب الأهلية، وأحيانًا ما يبدو الصراع وكأنه حول منافسة صناعية، حيث أن كل من عملاق الطاقة الفرنسي توتال وشركة إيني الإيطالية ينشطان على الأراضي الليبية، وأحيانًا؛ مثل ما حدث خلال الحادث البحري في يونيو بين فرنسا وتركيا يبدو الصراع وكأنه يتمحور حول من يملك القرار فيما يخص سياسة حلف شمال الأطلسي (ناتو).

لكن ما يحدث في الحقيقة هو بحث عن النفوذ يتسم بالتصميم، وهناك سباق بين دول أوروبا والشرق الأوسط يتعلّق بمن يملي الشروط خلال أي اتفاق سلام تشهده ليبيا في المستقبل – ومن ثم تحديد التحالف المتوازن المكون من عدة دول الذي يمكن الاعتماد عليه في المستقبل لرسم الخريطة السياسية، ومن برلين إلى القاهرة فإن الصراع حول مستقبل ليبيا بات صراعًا حول وضع تلك الدول على مستوى العالم.

وإذا ما كان التركيز الآن يتمحور حول تركيا، فهذا يعود إلى أن أنقرة اتخذت قرارات سياسية تتسم بالخطورة، وتلك القرارات إن لم تكن تنطوي على التحدي فهي تهدد بتحويل الوضع الراهن في المنطقة ليكون في صالح تركيا، وما من دولة تريد الوصول لتلك الحالة سواء كانت ألمانيا أم مصر.

وقد جاءت الواقعة التي أثارت استهجان العواصم الأوروبية في منتصف شهر يونيو.

وكانت الفرقاطة الفرنسية (كوربيه) تسعى للتحقُق من حمولة سفينة الشحن التركية (سيركين) قبالة السواحل الليبية، تلك السفينة التي فشلت في تعريف نفسها لدى اقترابها من الساحل الليبي، وأشارت فرنسا إلى أنها كانت تشعر بالقلق من احتمالية أن تكون السفينة التركية تقوم بتهريب الأسلحة.

وما حدث بعد ذلك هو أمر مثير، لكن الجانب الفرنسي ادّعى أن هناك 3 سفن حربية تركية في المنطقة على الأقل قامت بإرسال إشارات ضوئية عبر الرادار باتجاه الفرقاطة الفرنسية، وهو عمل عدائي يشير إلى أن الفرقاطة الفرنسية كانت على وشك الاستهداف بالصواريخ، وقد انسحبت الفرقاطة الفرنسية من الموقع.

ويسود التوتر العلاقات بين باريس وأنقرة منذ فترة طويلة بسبب ليبيا، لكن يبدو أن الحادث الأخير دفع بالرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون للبحث عن الدعم لدى قادة أوروبيين آخرين.

والأمر الظاهر هو أن البيان المشترك الذي أصدرته كل من باريس وبرلين وروما خلال عطلة الأسبوع الماضي يتعلّق بمهمة حلف الناتو في ليبيا، لكن بالنظر إلى الدور التركي في أزمة المهاجرين السوريين والعلاقات المتوترة بين أنقرة وبرلين والعلاقات القوية المثيرة للقلق بين أنقرة وموسكو، والكتلة الصلبة طويلة الأمد لحلف الناتو من أجل الدفاع عن دول البلطيق، تلك الخطط التي أعلن أردوغان تخليه عنها في نهاية يونيو، يظهر بوضوح التوتر الذي أصبح يشوب العلاقات مع أنقرة.

في ذات الوقت هناك أمر آخر يجري تحت مياه البحر المتوسط.

وعلى مدار الأعوام العشرة الماضية تم اكتشاف عدة حقول ضخمة للغاز الطبيعي أسفل مياه شرق المتوسط، ومسألة كيفية استغلال تلك الحقول كانت لها آثارًا سياسية تراكمية طالت جميع دول المنطقة، ويتمتّع حقل ظهر المصري الذي تم اكتشافه في العام 2015 بأهمية خاصة؛ فهو أكبر حقل للغاز الطبيعي تم اكتشافه في البحر المتوسط، ومن أجل تطوير المشروع كان هناك تعاون بين شركات للطاقة من إيطاليا والإمارات العربية المتحدة وروسيا بالنظر إلى جميع الاعتبارات السياسية التي صاحبت هذا الأمر.

وفي نوفمبر من العام الماضي؛ قامت كل من تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية – وهي الحكومة التي تعترف بها الأمم المتحدة ومقرها طرابلس – بالتوقيع على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية، وهي الاتفاقية التي تؤثر على خط الغاز المزمع أن يمتد من شرق المتوسط إلى أوروبا، وكرد فعل على تلك الخطوة أشار السفير اليوناني في القاهرة خلال الأسبوع الماضي إلى أن اليونان ومصر أصبحتا على وشك التوقيع على اتفاقية بحرية تنافس تلك المبرمة بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني.

وهذا النزاع وعلى الرغم من أنه ظاهريًا يبدو وكأنه يخص شروط القانون البحري إلا أنه نزاع قوي للغاية، وهو يمس جميع دول المنطقة، ومرة أخرى تحاول تركيا أن تملك زمام المبادرة وأن تختلس خطوة أخرى في الصراع مع منافسيها عبر حركة مباغتة.

وقد أقدمت تركيا على مراهنات كبرى في ليبيا على أمل أن المجتمع الدولي – كما حدث مع سوريا – سيصبح مشتتًا بسبب القضايا الداخلية وسيكون منقسمًا ولن يستطيع تكوين جبهة متماسكة تقف في وجه تلك السياسات.

وحتى قبل تصويت البرلمان المصري الذي أثار احتمالية مرعبة تتعلّق بحدوث مواجهة بين اثنين من أكبر جيوش المنطقة؛ كان من الواضح أن ما يحدث في ليبيا سيكون له تبعات تتخطّى الحدود الليبية.

ومع وجود التحالفات السياسية والنزاعات حول الحدود والطاقة بات الأمر على المحك، وفي خضم تلك الحرب الأهلية شديدة التعقيد؛ واحتمالية وجود حسابات خاطئة يمكن أن تتمخض عنها تلك الحرب المستعرة؛ فإن ليبيا من الممكن أن تكون مصدرًا لخطر يطال عواصم أوروبا والشرق الأوسط، فهناك لعبة كبرى مركزها البحر المتوسط لا يجرؤ المرء حتى الآن على النطق باسمها.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.