اليأس في إدلب: أوقفوا عمليات القصف، أو سنقتحم الحدود

حايد حايد

AFP Photo: Aaref Watad

في الثاني من فبراير، تجمع حشد يضم المئات في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، وانطلقوا في مسيرة تجاه الحدود مع تركيا. وشكلت تلك التظاهرة بعنوان “كسر الحدود” مناشدة يائسة إلى العالم الخارجي للاعتراف بالبلاء الواقع على أشخاص محاصرون في آخر إقليم سوري تسيطر عليه المعارضة، ويعانون من الضربات الوحشية التي شنها عليهم نظام بشار الأسد مؤخرًا.

تشهد الحرب الأهلية في سوريا لحظاتها الأخيرة. وفي أبريل الماضي، بدأت القوات السورية، مدعومة بحليفها الروسي، في شن هجمات جوية على محافظة إدلب الشاسعة. والهجمات مستمرة بلا رحمة منذ ذلك الوقت، مستهدفةً المناطق السكنية والمنشآت المدنية. وتدهور الوضع بشكل كبير خلال الشهرين الماضيين. وبالنسبة لثلاثة ملايين شخص عالقين في إدلب، فلا يوجد مكان آمن لهم بعد الآن.

ولأنه لا يوجد أسوأ من الوضع الراهن، انطلقت الدعوة في “30” يناير للاحتشاد بعد ثلاثة أيام أمام الحدود السورية التركية. وقطع البعض عدة كيلومترات سيرًا على الأقدام للذهاب إلى الحدود، وآخرون استقلوا سياراتهم لعدة ساعات قادمين من مناطق بعيدة في إدلب. وعند نقطة الالتقاء، انطلقت مظاهرة إلى الحدود السورية التركية.

وعن طريق المسؤولين المحليين والمراقبين في سوريا، علمت أن نظام الأسد والروس يستخدمون الإرهابيين الموجودين في إدلب بحسب زعمهم كذريعة لإحكام القبضة على اثنين من الطرق السريعة الإقليمية الرئيسية. وكانت القوات السورية والروسية قد أمطرت المنطقة بنيران المدفعية، والذخائر العنقودية والبراميل المتفجرة.

ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة، غادر قرابة “500,000” شخصًا منازلهم خلال الفترة من “1” ديسمبر العام الماضي وحتى “1” فبراير. وهناك “700,000” آخرين اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال الفترة من أبريل وحتى أغسطس 2019. كما وثقت الأمم المتحدة وفاة “290” مدنيًا خلال الشهرين الماضيين، ولكنها تتوقع أن يكون العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير.

أصبح التهجير أمرًا واقعًا لأغلبية من يعيشون داخل هذه المنطقة المكتظة بالسكان، والتي تستوعب أكثر من مليون شخص ممن نزحوا بالفعل إلى مناطق أخرى في سوريا. ويقول موظفي الإغاثة المحليين أن المحافظة بأكملها تشهد نزوحًا مستمرًا، حيث ينتقل السكان من منطقة إلى أخرى مجاورة بحثًا عن الأمان. ولكن المشكلة في عدم وجود هذا المكان الآمن.

ولا يمكن إنشاء مخيمات قادرة على استيعاب هذا العدد الهائل من النازحين، كما أن المخيمات القائمة تستوعب فوق طاقتها. وأدى القتال إلى زيادة العبء على خطوط الإمدادات الإنسانية إلى إدلب، مما دفع معظم المجموعات الإنسانية إلى تقليص أنشطتها. ولهذا، تقول تلك المجموعات الإنسانية أن آلاف المدنيين ينامون في العراء في بساتين الزيتون بدون مأوى مناسب أو ماء أو طريقة للوصول إلى المنشئات الطبية.

ويقول “وليد الأحمد”، وهو واحدٌ من القلائل العاملين حتى الآن في المجال الإنساني، “إن الهدف من الهجمات هو أن نظل رهينة لكابوس العنف بدون حل في الأفق”. ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي لم يرفع صوته إلا بالكاد احتجاجا على هذا الاستهداف الممنهج للمدنيين.وبدورهم يشعر المدنيون السوريون أن الغرب مرتعدًا من تلك الأعداد الهائلة من اللاجئين، حتى أنه مستعد لغض الطرف عما يقترفه بشار في حقهم إذا بقوا في سوريا.

وتهدف حملة “كسر الحدود” إلى إجبار الغرب على النظر إلى ما يحدث في سوريا. “وإذا كان الغرب يهتم فقط بإبقائنا في سوريا، على الرغم من المخاطر العالية والافتقار إلى الحماية، فإننا سنسلط الضوء على معاناتنا بالطريقة التي يفهمونها”، وتلك هي مشاعر السوريين الذين أتحدث إليهم يوميًا. وحدثني رجل يبلغ من العمر 52 عامًا وكان بالفعل بالقرب من الحدود التركية، قائلاً: “نحن لا نكره بلدنا، لكننا سنهلك إذا بقينا”.

وعلى الرغم من أن “من إدلب إلى برلين” هو اسم الحملة، فالهدف من تلك الحملة ليس عبور الحدود إلى تركيا بطريقة غير مشروعة، بل إبراز الحاجة إلى ملاذ آمن على أمل أن يقتنع المجتمع الدولي بمسؤوليته في توفير بعض الحماية للمدنيين السوريين.

اتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والدولة الجارة لسوريا وهي تركيا، لا يرغبون في ممارسة ضغوط كبيرة – سواء كانت عسكرية أو دبلوماسية أو في شكل عقوبات اقتصادية – على الأسد أو حليفه الرئيسي، روسيا.

والمفارقة هي أنه إذا استمرت الهجمات بلا هوادة، فستؤدي تلك الهجمات إلى ما يخشاه الغرب تحديدًا: وهو تدفق موجة تلو الأخرى من اللاجئين على تركيا وخارجها. وهذا هو اليأس الذي جعل الكثيرون من المحاصرين في إدلب يعتقدون أنه ليس لديهم خيار سوى الفرار، وهم على استعداد للمخاطرة بأي شيء هربًا من القتل.

وحدثني “أحمد خالد حسون”، أحد منظمي الحملة، “عندما تفقد كل شيء، وأهم شيء وهو الأمل، فإن الخيار الوحيد المتبقي هو المقامرة بكل شيء – بما في ذلك حياتك وحياة أحبائك – من أجل حياة أفضل وأكثر أمانًا وكرامة، أو الموت في سبيل ذلك.”

 

حايد حايد هو زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.