هل كان ترمب مُحِقّا حين انسحب من الاتفاق النووي مع إيران؟، يبدو الأمر كذلك

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Atta Kenare

حينما سافر برايان هوك المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران لسويسرا بداية هذا الشهر لاستلام مايكل وايت؛ الرهينة الأمريكي الذي كان مُحتجزًا لدى السلطات الإيرانية وتم إطلاق سراحه مؤخرًا؛ كان لدى برايان هوك هدفًا آخر يسعى لتحقيقه، وقال هوك عبر ندوة عُقِدت عبر الإنترنت إنه مع وصول مايكل وايت إلى سويسرا بصحبة مسؤولين إيرانيين عرض هوك عليهم عبر الوسيط السويسري عقد جلسة تفاوض، لكن “الإيرانيين رفضوا هذا العرض”، وقد أكّد هوك عبر حسابه على فيسبوك التقارير التي أشارت إلى أنه بعد انسحاب الرئيس دونالد ترمب في العام 2018 من خطة العمل المشتركة – المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني – نصح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق نظيره الإيراني جواد ظريف “بالانتظار حتى رحيل ترمب عن سدة الحكم”، وهي الاستراتيجية التي يبدو أن إيران عملت بها عن ظهر قلب، لكن لو استعاد الديمقراطيين البيت الأبيض في نوفمبر القادم فأغلب الظن أنهم لن يعودوا إلى الاتفاق النووي مع طهران.

ومنذ عامين عارض الديمقراطيون مسألة انسحاب ترمب من الاتفاق النووي، ومن حينها يبدو على أي حال أن موقفهم قد تغيّر، وأحد من كانوا في طليعة هؤلاء الذين قاموا بتغيير موقفهم هو جيك سوليفان، الذي شغل سابقًا منصب كبير مساعدي وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ومستشار الأمن القومي لجون بايدن الذي كان يشغل حينها منصب نائب الرئيس.

وحينما ترشحت هيلاري كلينتون لمنصب الرئاسة في العام 2016 كان سوليفان هو مساعدها الأول فيما يخص السياسة الخارجية، وحينما أعلن جو بايدن عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم؛ كان سوليفان هو مستشاره الأول للسياسة الخارجية، وإذا ما فاز بايدن فمن المتوقع أن يكون لسوليفان دورًا حاسمًا فيما يخص السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وقد كان سوليفان من أشد المؤيدين للاتفاق النووي مع إيران، كما كان معارضًا بشدة لقرار ترمب بالانسحاب من هذا الاتفاق، وقال سوليفان في مقال له على مجلة أتلانتيك إن العقوبات المفروضة على إيران “ستؤتي ثمارها فقط إذا ما أصبحت على نطاق دولي، وإذا ما شارك فيها الشركاء الرئيسيين في التجارة مع إيران”.

ووجهة النظر تلك أثبتت خطأها، وبعد عام واحد ومن خلال مقال مشترك له مع الدبلوماسي السابق بيل بيرنز نُشِر بصحيفة نيويورك تايمز؛ أقر سوليفان بأن “الضغط الناتج عن العقوبات الاقتصادية التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على إيران كان له تأثير أكبر بكثير مما توقعت طهران”.

وكي نتحرّى المزيد من الدقة يجب علينا القول إن العقوبات التي فرضها ترمب كان لها أثر أقوى مما توقّع كل من سوليفان وبيرنز، وخلال ندوة عبر الإنترنت عقدها معهد هدسون في مايو الماضي؛ أكّد سوليفان مجددًا على موقفه بأن العقوبات الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة على طهران أثبتت “قوة الدولار الأمريكي والمنظومة الاقتصادية للولايات المتحدة”.

والتشكيك في جدوى العقوبات الأمريكية لم يكن المسألة الوحيدة التي أخطأ فيها سوليفان، ففي مقال آخر مشترك له مع بيرنز نُشرته مجلة أتلانتيك في يناير الماضي؛ قال كلاهما إن إقدام الولايات المتحدة على قتل اللواء الإيراني قاسم سليماني “سيكلف واشنطن أكثر بكثير مما تكبدته طهران جراء مقتل سليماني، وأضافا إنه “بمقتل سليماني فإن اللواء الراحل يكون قد نجح في تنفيذ آخر خطواته للانتقام من الولايات المتحدة”.

ومرة أخرى يثبت أكبر اثنين من مساعدي أوباما (سوليفان وبيرنز) أنهما على خطأ، ولم يتسم رد فعل طهران على مقتل سليماني بالقوة، وقد أطلقت إيران 12 صاروخًا على قاعدة عسكرية عراقية ولم يسفر الهجوم عن مقتل أحد من الأمريكيين، وقد أضعف رحيل سليماني إيران والميليشيات الموالية لها، فيما لم تدفع واشنطن ثمنًا يُذكر.

ومع فشل توقعات كل منهما قام كل من سوليفان وبيرنز بتغيير الوجهة، وأصبحت وجهة نظر قطبي السياسة الخارجية في الحزب الديمقراطي مفادها أن “الإيرانيين يجب أن يصبحوا اكثر واقعية”، وأنه “من غير الواقعي أن تقوم الولايات المتحدة بتخفيف العقوبات بشكل كبير دون الحصول على تأكيدات أن إيران ستبدأ التفاوض فورًا من أجل اتفاقية لاحقة، تضمن على الأقل امتداد الجدول الزمني للاتفاق وتعالج قضايا مثل التفتيش وبرنامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات”.

وخلال الفترة من مايو 2018 وحتى يناير الماضي؛ تغيّر موقف سوليفان تجاه إيران من: “العقوبات الأمريكية الأحادية لن تجدي نفعًا” إلى: “لا رفع للعقوبات دون الحصول على تأكيدات من طهران”، وأن إيران من الممكن أن تتنازل عن موقفها الذي يصر على أنه لا محادثات مع الولايات المتحدة دون رفع العقوبات أولًا.

ولم يقم أيًا من سوليفان أو بيرنز بالتعليق على المسائل التي تخص إيران في الفترة الأخيرة، لكن المحتمل هو أن موقفهما بات أكثر تشدُدًا عن ذي قبل، حتى أن أقطاب الاتحاد الأوربي الثلاثة – فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا – باتوا على قناعة أن حظر السلاح المفروض على إيران يجب أن يمتد إلى ما بعد الثامن عشر من أكتوبر، وهو الميعاد المنصوص عليه في الاتفاق النووي لرفع حظر السلاح عن طهران، وإذا ما رفضت كل من روسيا والصين قرارًا أمميًا بتمديد حظر السلاح؛ ربما تلجأ واشنطن إلى آلية التراجُع ومن ثم تقوم بإلغاء الاتفاق النووي نهائيًا.

وقال برايان هوك: “اعتقدت إيران بالخطأ أن الاتفاق النووي بمثابة ضوء أخضر كي تصبح قوة تصنع المشكلات على مستوى المنطقة”، وهو الدرس الذي يبدو أن كل من أوربا وأنصار الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة قد تعلمته أيضًا.

وإذا ما أصبح جو بايدن رئيسًا وقرر الاستعانة بكل من سوليفان وبيرنز لتولّي أمر السياسة الخارجية؛ فمن غير المتوقع أن يقوم البيت الأبيض الذي يسيطر عليه الديمقراطيون بإحياء الاتفاق النووي من جديد، وبدلًا من ذلك وأيًا كان الشخص الذي سيتم انتخابه رئيسًا في نوفمبر فإنه سيعرض الوصول إلى اتفاق جديد مع إيران، اتفاقًا يعالج كل من البرنامج النووي وسلوك إيرن الذي يعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وقد صرح مايك بومبيو وزير خارجية ترمب أن الجمهوريين الآن يجلسون بهدوء في انتظار انهيار الاقتصاد الإيراني، وإذا ما رفضت إيران الوصول إلى اتفاق جديد فأغلب الظن أن الديمقراطيين سيفعلون الشئ ذاته انتظارًا لانهيار الاقتصاد الإيراني.

 

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” لندن.