الديمقراطية لم تنجح قط في لبنان، ونجاحها شرط رئيسي لازدهار البلاد

حسين عبد الحسين

إن لبنان لم يكن قط دولة ديمقراطية، والمشكلة هي أن اللبنانيين لا يدركون ذلك تماماً، فهم يعتقدون أنهم يختارون قادتهم فعلياً من خلال الانتخابات المتفرقة التي ينظمونها بين الحين والآخر. أمَّا الفهم السليم للغليان السياسي المستمر في لبنان فقد يؤدي على الأقل إلى إزالة اللبس عن خبايا حالة الأزمة الدائمة في البلاد، إن لم يكن سيوضحها بشكل تام. فإذا أخذنا على سبيل المثال ما جرى مع رئيس الوزراء سعد الحريري، الذي لم يلبث أن قدم استقالته حتى هَمَّ بسحبها، سنجد أن وضعية الحريري هي بالفعل دليل على اللبس الذي يهيمن على السياسة في لبنان. وإذا كانت الدولة اللبنانية تسعى بالفعل إلى تحقيق ذاتها من خلال الطاقات التي تزعم أنها تمتلكها، فإن هناك حاجة ماسة لاتخاذ خطوات جادة من أجل إصلاح حالة البلاد، مع العلم أن الانتخابات المقبلة من المقرر انعقادها هذا الصيف، ولكنها لا تعِد بالشيء الكثير.

من أجل فهم السياسة اللبنانية، لننطلق من الاسم الذي أطلقه اللبنانيون على النظام السائد في بلادهم: “الديمقراطية التوافقية”. اسم يعتبر تناقضاً في حد ذاته، ففي حين يتطلب التوافق موافقة الجميع، فإن الديمقراطية هي حكم الأغلبية، حتى وإن تمثلت في الحصول على نسبة 50 بالمائة زائد واحد فقط. لكن نرجع ونقول إن الديمقراطية التوافقية في لبنان في حقيقتها لا هي ديمقراطية ولا هي توافقية. وأبسط مثال على ذلك هو عندما أوعز النظام الحاكم في سوريا إلى البرلمان اللبناني تمديد فترة ولاية الرئيس السابق إميل لحود سنة 2004، صوت الدروز، وهم من أهم الفرق اللبنانية، ضد هذا الاقتراح الذي واجه معارضة كبيرة من قبل المسيحيين، إلا أن النظام السوري وحلفاؤه، وفي مقدمتهم “حزب الله”، قالوا إن “الديمقراطية قد تحققت”، وتم منح لحود استثناءً دستورياً شرعياً للبقاء في كرسي الرئاسة لثلاث سنوات إضافية، لذلك فلا وجود للتوافق في هذه الحالة.

لكن “حزب الله” لم يكن من أشد مناصري الديمقراطية حين فاز غرماؤه المعروفون بحركة “14 آذار” بالأغلبية البرلمانية سنة 2009. ورغم أن زعيم الحزب حسن نصر الله قد صرَّح عشية الانتخابات بأن حزبه سيحترم قرار الأغلبية، إلا أنه تراجع عن وعده هذا وطلب من حركة “14 آذار” تقديم تنازلات لصالح “حزب الله” والأقلية عن طريق تشكيل “حكومة وحدة وطنية”، إذ ليس هناك مجال لحكم لبنان إلا عن طريق التوافق، أو هكذا قال نصر الله. وقد أصر “حزب الله” على موقفه هذا حتى أرغم حركة “14 آذار” على انتخاب المرشح المفضل للحزب، وهو الجنرال السابق المسيحي ميشال عون، رئيساً للبلاد. لا أثر للديمقراطية في هذه العملية كذلك.

وبين الديمقراطية والتوافق يوجد عامل آخر شديد الأهمية. إن لبنان، في واقع الحال، بلد يحكمه منطق القوة، و”حزب الله” وميليشياته المهيبة هو الوحيد الذي يقرر متى يحين وقت “الديمقراطية” ومتى يجب اللجوء “للتوافق”.

وفي شهر مايو من هذه السنة، بعد تسع سنوات من آخر انتخابات برلمانية – التي ينص الدستور على ضرورة انعقادها كل أربع سنوات – سيتوجه اللبنانيون أخيراً إلى مراكز الاقتراع لاختيار برلمانهم الجديد. ويرجع هذا الأمر بشكل رئيسي إلى أن “حزب الله” قد اطمأن أخيراً إلى أنه يملك الأفضلية للفوز، لذلك فقد آن أوان “الديمقراطية”، كما يجب أن تكون.

وبطبيعة الحال، فلن تعرف السلطة التشريعية الجديدة سوى تغييرات طفيفة مقارنةً بسابقتها. ذلك أن اللبنانيين لا يعتبرون أنفسهم مواطنين في جمهوريتهم، بل رعايا خاضعين للجماعات الدينية التي ينتمون إليها، والتي يرأس كلاً منها قائد أبوي يتحكم في شبكة ريعية يحافظ عليها عن طريق موارد الدولة. ويتقرر حجم المكاسب التي يحصل عليها رئيس كل جماعة، وبالتالي المكاسب التي يمكنه توزيعها، إثر الانتخابات. وتُعتبر تكتلات أهم رجال السلطة مؤمنة – وهم الرئيس المسيحي ميشال عون، وشريكه سمير جعجع، والمتحدث باسم الشيعة نبيه بري، ورئيس الوزراء السني سعد الحريري، وزعيم الدروز وليد جنبلاط، وعدد قليل من السياسيين الآخرين الذين لا يملكون نفس القدر من النفوذ –مع تغييرات بسيطة هنا وهناك في حال حصلت مجموعة من الأقليات على مقعد أو مقعدين على حساب الأخرى. فيما عدا هذا، لن تشهد السياسات أو السياسة اللبنانية عامة أي تغييرات تُذكر بعد انتخابات هذه السنة.

وقد وصف بعض المرشحين، خاصة منهم المهنيون الشباب الذين يملكون بعض الخبرة في التنظيم السياسي، أنفسهم على أنهم “عملاء التغيير”، لكن نظراً للكيفية التي صممت وبنيت بها الدولة، فأي تغيير مهم سيتطلب أكثر بكثير من مجرد الفوز بحفنة من المقاعد. إن التغيير في لبنان يتطلب إعادة تحديد عقد البلاد الاجتماعي وتعديل الدستور من أجل تحويل اللبنانيين من رعايا خاضعين للدولة إلى مواطنين للجمهورية يتمتعون بحقوق كاملة ومتساوية. وما دامت الأقليات غير المسلمة تطالب بالالتزام بالحصص الثابتة التي يُفترض أنها تحمي نصيبهم في الحكم، ستظل الديمقراطية اللبنانية في حالة احتضار.

إن تحويل حكم الأقلية في لبنان إلى ديمقراطية يتطلب أيضاً أن يصل اللبنانيون إلى فهم أفضل للدولة ودورها وتوقعاتهم منها. ومنذ قيام الدولة اللبنانية في عشرينات القرن الماضي، اختار أغلب المصوتين مرشحين بناء على معايير بائدة. فإلى جانب مطالبتهم للدولة بتحسين تقديمها للخدمات الخاصة بجمع النفايات وإنتاج الكهرباء، عادة ما يسعى المصوتون اللبنانيون للحصول على مكافآت غامضة من ممثليهم. فبدل المطالبة بالحرية وحرية التعبير وسيادة القانون، على سبيل المثال، يقوم العديد من اللبنانيين بالتصويت لمرشحين يقدمون وعوداً بتحسين أمور مثل “الشرف” و”الكرامة”. وقد وصل ميشال عون لمقعد الرئاسة متكئاً على المسيحيين الذين يسعون لاستعادة “حقوقهم”، أما عن ماهية هذه الحقوق التي تنطبق على المسيحيين دون غيرهم من المواطنين اللبنانيين فما تزال لغزً محيراً.

ونظراً لانعدام النضج السياسي لدى الناخبين اللبنانيين الذين يشغلهم التفكير في الشرف القبلي والخطابات الشعبوية، سيظل لبنان دولة فوضوية غير ديمقراطية خاضعة لحكم الأقلية، فالشخصيات التي سيطرت على الساحة السياسية منذ ثمانينات القرن الماضي على أقل تقدير، وهي عون وبري والحريري وجنبلاط وجعجع وفرنجية وغيرهم، تظل مهيمنة اليوم، كما أن هؤلاء لا علاقة لهم بالقضايا السيادية الملحة في لبنان، مثل السياسات الخارجية والدفاعية، والتي يحددها “حزب الله” بشكل حصري.

إن لبنان لطالما افتخر بتقدمه على غيره من الدول العربية، سواء فيما يتعلق بكونه ديمقراطية “حيوية”، أو بقطاعيه المصرفي والسياحي، لكن في سنة 2018، تراجع لبنان في جميع هذه المجالات. إن الديمقراطية اللبنانية كانت دائماً مجرد وهم، فلو كانت قد نجحت في وقت ما، لما كانت البلاد تعيش حالة الفوضى التي تعرفها اليوم. لذلك، ومن أجل الخروج من هذه الحالة، يجب أن تنجح الديمقراطية. لكن للأسف، لا تنتظر أن يتحقق هذا الأمر في مايو المقبل.

AFP PHOTO / PATRICK BAZ