عودة المقاومة في درعا والدروس المستفادة للنظام السوري

حايد حايد

اندلعت مجددًا في المناطق الجنوبية السورية، والتي كانت خاضعة قبل ذلك لسيطرة الثوار، أنشطة مناهضة للنظام السوري، ومن تلك الأنشطة تلك الرسومات والمظاهرات السلمية، وهناك أيضًا حالات عنف. ومنذ شهر نوفمبر، تعرض عشرات المقاتلين المؤيدين للنظام ووسطاء للقتل جراء سلسلة من الهجمات التي اتسمت بالكر والفر. وتشكل تلك الهجمات واقعة خطيرة لاسيما أنها حدثت داخل المنطقة التي لم يسيطر عليها النظام إلا منذ أشهر قليلة مضت، وهو ما يؤكد أن البلاد ماتزال في حالة حرب بدرجة كبيرة. وفي الوقت الذي تتجدد فيه أعمال العنف بسبب الانتهاكات التي يمارسها النظام السوري والمفاوضات التي تجري في جو من الخداع، يتضح من النموذج في “درعا” أن السلام سيظل سرابًا في غياب تسوية سياسية شاملة وعادلة.

وبعد أن سيطر النظام السوري في شهر يوليو على المناطق الجنوبية، وهو ما تحقق بنسبة كبيرة من خلال المفاوضات، بدأ الوسطاء ووكالات الاستخبارات التابعين للنظام في فتح مكاتب إقليمية لاستقبال طلبات العفو العام الخاصة بالمواطنين. ويحصل كل من يوقع على الطلب عفوًا عامًا من الناحية النظرية، ومن المفترض إعفاء الموقع على الطلب من التجنيد الإلزامي لمدة ستة أشهر لمن هم في سن القتال. ورغم تلك الضمانات، مازال النظام يعتقل المواطنين بما فيهم المدنيين والمقاتلين السابقين من الثوار رغم تسليم أنفسهم إلى النظام. وتشير التقارير إلى أن النظام السوري قد اعتقل في شهر أكتوبر فقط “68” شخص على الأقل، واستدعى النظام للتجنيد أكثر من “30,000” رجل، بما فيم المجندين الجدد وقوات الاحتياط، وتأتي تلك الخطوة قبل انتهاء مهلة الستة “6” أشهر التي حددها النظام.

إن كل مؤشر على تنامي الانتهاكات التي يمارسها النظام السوري هو ما يدفع المقاومة إلى العودة مرة أخرى بعد أشهر من الهدوء النسبي. وفي توجه مماثل لما حدث خلال الأشهر الأولى من اندلاع الثورة في العام 2011، ظهرت المشاعر المناهضة للنظام في شكل أفعال غير عنيفة، حيث رسم المتظاهرون شعارات مألوفة مثل “يسقط بشار” و”الثورة مستمرة” على حوائط الأبنية الحكومية في مدن مثل “الكرك” و”المزار” و”نوى” و”الصنمين”. وعلى الجانب الآخر، استهدفت حرب العصابات وهجمات الكر والفر والأكمنة العديد من القوات الموالية للنظام في المنطقة. وفي أحد الهجمات المبكرة التي تعرضت لها إحدى نقاط التفتيش التابعة للنظام في مدينة “ياسمين” في الرابع والعشرين “24” من شهر نوفمبر، قُتل اثنان من أفراد جهاز المخابرات الوطنية، وبعد يوم، تعرضت عدة نقاط تفتيش في مركز مدينة “الصنمين” لهجوم متعدد في عملية شديدة التنسيق، وخلف الهجوم أكثر من ستة “6” قتلى من المقاتلين.

ورغم أن الهجوم على بعض نقاط التفتيش يبدو هجومًا عشوائيًا أو لأسباب تخطيطية، فان هناك هجمات أخرى ذات أولوية بسبب سمعة نقاط التفتيش. فعلى سبيل المثال، اتضح جليًا أن الهجوم على إحدى نقاط التفتيش التابعة للمخابرات الوطنية في مدينتي “الكرك” و”الغارية” كان بسبب تكرار إهانة للمواطنين واعتقالهم وطلب الرشاوى منهم من قبل العاملين بتلك النقاط.

وفي الوقت ذاته، ظهرت، في وسائل الإعلام على الأقل، مجموعة تطلق على نفسها “المقاومة الشعبية في الجنوب”، تعلن مسؤوليتها عن الهجمات، وعن بدأ مرحلة جديدة من القتال ضد القوات الموالية للنظام. وقدمت “المقاومة الشعبية” أول بيان لها عبر شبكة جيرون الإعلامية الناطقة باللغة العربية وكان ذلك في شهر “نوفمبر”، وفيه أعلنت المقاومة حربها على النظام ووسطائه المحليين والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران في جنوب البلاد. وادعى المتحدث باسم المجموعة، والمعروف باسم “سيف الحوران”، أو سيف منطقة حوران، أن المقاتلين الثوار السابقين وغيرهم من الرجال المجبرين على التجنيد مستمرون في الثورة.

وبسبب السرية التي تحيط بالمجموعة وأعضائها هناك صعوبة في التحقق من مدى القدرات العملية لتلك المجموعة على أرض الواقع، وما إذا كانت تتحمل فقط مسؤولية الهجمات التي ينفذها آخرون خارج المشهد. وفي ضوء التهديدات المتعددة بالتسلل وحفر الأنفاق وأسر الجنود، اتضح جيدًا وبدرجة كبيرة أن من يقفون خلف الهجمات ربما يرغبون في التخفي.

وطبق النظام السوري نهجًا يجمع به التحفيز والإجبار لمواجهة المقاومة الجديدة، والتعرف على أعضائه. ومؤخرًا، زار وفدٌ من الحكومة ممثلاً في أعضاء في البرلمان، ومسؤولي المخابرات، ومفتى سوريا “أحمد بدر الدين حسون”، مدينة “درعا”، في خطوة إستراتيجية تهدف بشكل واضح إلى تخفيف حدة التوتر ونزع فتيل الغضب المحلي. ورغم ذلك، كانت المبادرات الدبلوماسية مقترنة بالترهيب وذلك في ظل التصعيد الذي يمارسه وكلاء النظام من عمليات اعتقال للمشتبه في ضلوعهم في هجمات وكل من يُعتقد أنه مساند لهم، ومنهم نشطاء سابقين ومقاتلين من الثوار. وإلى الآن، فشل طرفا تلك الإستراتيجية فيما يسعون إليه لأن عمليات الاعتقال تزيد من الغضب الذي يحتدم بالفعل بسبب ضعف الخدمات العامة في المنطقة.

ومن الصعوبة بمكان التنبؤ ما إذا كان النشطاء المناهضين للنظام سيواصلون أفعالهم ويزعزعون الاستقرار في “درعا”، علمًا بأن “درعا” كان أول مكان تندلع فيه المظاهرات السلمية والثورة السورية في مارس من العام 2011. ويشهد الواقع أن جميع الأسباب تحمل المقاومة المحلية الشرسة على العودة إلى أنشطتها مرة أخرى، حيث يشعر المواطنون باستياء من النظام وليس لهم امل في المستقبل، علمًا بأن المواطنين مدججين بالسلاح ولهم من الخبرة العسكرية ما يعينهم على القتال. ولم يسلم العديد من المواطنين أسلحتهم الخفيفة أثناء المفاوضات التي جرت في مطلع هذا العام. ولا يمكن نزع فتيل تلك القنبلة الموقوتة أو تحقيق الاستقرار في المنطقة إلا من خلال تسوية عادلة، ويتأتى ذلك من خلال الحل السياسي الذي تدعمه الأمم المتحدة ويقضي بإنهاء العنف في سوريا من خلال معالجة الأسباب الرئيسية للصراع.

AFP PHOTO/MOHAMAD ABAZEED