قانون دمشق الجديد يحرم اللاجئين السوريين من العودة الى وطنهم، تلك هي المسالة

فيصل اليافعي

منذ اندلاع الانتفاضة ضد النظام، أطلق بشار الأسد على المحتجين، الذين رفعوا السلاح بعد ذلك ضد النظام، لفظ “إرهابيين”. اكتسب هذا التعريف أهميته من كونه جعل النظام جزءا من الحرب العالمية ضد الإرهاب مما يسمح له بقتل المدنيين وتعذيبهم ضاربًا عرض الحائط بالاحترام السياسي. وهو الآن، يحاول محاولة مماثلة لإخفاء أهداف سياسية وحشية تحت ذريعة احترام القانون.

ففي شهر ابريل أصدرت الحكومة “القانون10” الذي يجبر سكان المناطق المزمع إعادة تطويرها على تقديم إثبات ملكية إبان 30 يوماً وإلا يتم مصادرة أملاكهم ويسقط حقهم في التعويض. وحيث أنه تم تهجير ملايين السوريين وحيث أن عودتهم إلى أي منطقة من المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام سوف تعرض الكثيرين منهم للاعتقال أو التعذيب أو ما هو أسوا من ذلك، فقد يبدو القانون الجديد وكأنه سياسة للإسراع بعملية إعادة البناء إلا أنه في الحقيقة يهدف إلى مصادرة أملاك المحتجين.

ولاقى هذا القانون معارضة من مجموعات حقوق الإنسان التي أدركت أنه محاولة لتجريد ملايين السوريين من أملاكهم باتباع أساليب قانونية مشبوهة وملتوية وحيث أن القانون سوف يؤثر تأثيرًا بالغًا على هؤلاء الذين يعيشون في المناطق التي ثارت ضد النظام فإنه أداة سياسية ووسيلة قانونية زائفة للهندسة الاجتماعية.

القانون 10 سيكون مهمًا حتى لو لم تكن سوريا في حالة حرب. فالأرض هي واحدة من المصادر الرئيسية للثروة الفردية والعائلية في البلاد، من ثم فإن أي محاولة لإعادة تطوير الأراضي بالقوة أمر يدعو للقلق في بلد تحكمها البيروقراطية حيث أن 50٪ من مجموع الأراضي لم تكن مسجلة رسميًا قبل نشوب النزاع.

لكن من الواضح أن النظام على وشك القيام بشيءٍ ما خلال الحرب. فما يقرب من نصف السوريين – 11 مليون منهم – نازحين إما داخليًا في مناطق مختلفة من البلاد أو في الخارج كلاجئين في ظروف محفوفة بالمخاطر تحول دون حصولهم على مستندات الملكية أو الأموال التي تمكنهم من تقديم الأوراق اللازمة.

وتم تفسير القانون رقم 10 على أنه استيلاء على الأراضي من قِبَل نظام الأسد وهو بالفعل كذلك. فبضربة قاضية، سيكون النظام قادراً على الاستيلاء على الأراضي من خصومه السياسيين حيث ستؤول ممتلكات القابعين في سجون الأسد السرية ومن لقوا حتفهم جراء التعذيب أو تم إعدامهم دون محاكمة أو أولئك الذين في المخابئ والذين في المنفى- والذين لا تملك أسرهم مستندات ملكية- إلى الحكومة فور اتخاذها قرار إعمار هذه المناطق.

ويذهب القانون 10 أبعد من ذلك فهو أكثر من مجرد آلية لتجريد المواطنين من أملاكهم وإنما يهدف إلى إيجاد آلية قانونية لتخليص الدولة من التزامات المواطنة.

فنظام الأسد لا يرغب في عودة اللاجئين إلى ديارهم وهو على استعداد تام لتصدير مشكلة الملايين من مواطنيها الذين عارضوا سيطرة النظام، بالعمل أو بالوكالة، إلى دول أخرى.

لكنها لا تستطيع ببساطة تجريد الملايين من المواطنين من الجنسية، فالإقدام على ذلك سيكون غير قانوني بموجب القانون الدولي وسيخلق مجرد ورقة مساومة لبلدان المنطقة في المستقبل. فتركيا، على سبيل المثال ستطالب بعودة السوريين الموجودين في أراضيها قبل تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق.

كما لا يستطيع النظام منع مواطنيه من العودة. وفي الأيام الأولى من الانتفاضات، مرر نظام الأسد قانونًا يسمح له بالاستيلاء على أصول الأشخاص الذين أدينوا بجرائم الإرهاب أو كانوا مطلوبين فيها. وقد يقدم النظام على فعل شيئًا مماثلًا الآن مانعًا المطلوبين في جرائم معينة الذين تُقدر أعدادهم بالملايين من العودة-وفقا للوثائق المسربة-ولكن ذلك أيضًا سوف يترتب عليه ردًا حازمًا من الدول التي يعيش بها الكثير من اللاجئين السوريين.

وبالتالي، لا يمكن للنظام ببساطة أن يقرر عدم عودة الملايين من مواطنيه وإنما سوف يكون بحاجة إلى إيجاد طريقة لإقناعهم بعدم العودة وعدم التفكير في العودة.

ويحقق القانون10 ذلك، وبدون إكراه ظاهر. وذلك عن طريق إجبار ملايين السوريين على الاختيار بين العودة إلى سوريا إلى لا شيء أو البقاء في مكانهم وبناء الحياة التي أرادوها لأنفسهم. وبالنسبة للكثيرين من السوريين، مثلت أراضيهم وأملاكهم الرباط الذي يربطهم ببلدهم وبدونها ليس لديهم الثروة أو السبب الذي يدعوهم للعودة.

والقانون 10 يتجاوز القوانين السابقة التي تستهدف المعارضين السياسيين أو أولئك المطلوبين للجرائم السياسية. فالآن يستخدم النظام وسائل قانونية للعقاب الجماعي لأولئك الذين لم يتجرأوا على معارضة النظام فحسب، بل أيضًا من تخيلوا الحياة بدونه. ورغم أن الغالبية العظمى من الملايين النازحين لم يشاركوا في أنشطة مناهضة للنظام وإنما كان نزوحهم لتفادي التعرض للقتل، والذي غالباً يكون من قِبَل النظام نفسه، إلا أن دمشق تعاقبهم الآن على هذا الاختيار.

فمن وجهة نظر دمشق، هؤلاء السوريين أداروا ظهورهم للنظام -ويسعى النظام الآن إلى وسائل شبه قانونية ليدير ظهره لهم.

وتعد مصادرة ممتلكاتهم هي مجرد الخطوة الأولى. فدمشق لا تلقي بالًا إلى تجريد المواطنين من أملاكهم بقدر ما ترغب في التخلص من مواطنيها مثيري الشغب.

AFP PHOTO/Mohamad ABAZEED