تحويل العملة لن ينقذ إدلب السورية من الشقاء الدائم

حايد حايد

AFP picture: Muhammad Haj Kadour

انهارت قيمة الليرة السورية، وجاء هذا الانهيار نتيجة لعدة عوامل منها الأزمة المالية التي شهدتها الجارة لبنان والإغلاق المحلي بسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) وقانون قيصر الأمريكي الذي فُرِضت بموجبه عقوبات على سوريا، واجتمعت تلك العوامل لتؤدي لمعاناة شديدة، ونتيجة لذلك تحاول السلطات في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار في إدلب وأجزاء أخرى من شمال غرب سوريا؛ الخروج من دوامة الانهيار الاقتصادي عبر استبدال الليرة السورية بالليرة التركية، وربما تؤدي الخطوة إلى تهدئة مخاوف السكان الفاقدين للأمل في الاستقرار لأسباب مفهومة؛ لكن تلك الخطوة لن تجدي نفعًا على الأرجح.

وبينما كانت سلطات الثوار الخاضعة للسيطرة التركية المباشرة تجعل الليرة التركية هي المعمول بها فإن آخرون لم يحذو حذوها، وبشكل خاص فإن ما تسمى حكومة الإنقاذ التي تسيطر على إدلب بالمشاركة مع الجماعة الجهادية “هيئة تحرير الشام”، قد رغبت في أن تنأى بنفسها عن النظام في دمشق؛ الا انها قد فشلت في السابق في إبرام اتفاق مع انقرة حول كيفية تحويل العمل بالليرة السورية إلى الليرة التركية، وعلى مدار هذا الصراع على أي حال فإن الليرة السورية كانت تتمتع باستقرار نسبي، لذا فإن الإقدام على هذا التحول لم يكن بالأمر الضروري.

لكن في العام 2019 تغيّرت الأحوال، وبدأت الليرة السورية في التهاوي مما دفع بحكومة الإنقاذ للبدء في تسعير السلع والخدمات الأساسية بالدولار الأمريكي، ثم التسديد بالليرة السورية حسب السعر السائد، ومع انهيار سعرالصرف في السوق السوداء العام الحالي فقد باتت تلك المسألة محكوم عليها بالفشل، وقد انخفضت الليرة السورية إلى أدنى مستوى لها في يونيو الماضي، حيث سجّلت 3000 ليرة للدولار الأمريكي الواحد، أما سعر الصرف الرسمي والذي تمت مراجعته خلال تلك الفترة بلغ 1256 ليرة مقابل الدولار، لكنك ستكن محظوظًا إذا ما وجدت من يوافق على تغيير الدولارات الأمريكية بهذا السعر، ومن حينها بدأت سلطات الثوار في انتهاج سياسة التعامل بالليرة.

وبالنسبة لحكومة الإنقاذ فقد دفع بها المنطق على أي حال للتعامل بالدولار، بالنظر إلى قيامها بتسعير البضائع والخدمات بالعملة الأمريكية، لكن وبسبب انتماء حكومة الإنقاذ لمنظمة مصنفة إرهابية؛ كان من المستحيل عليها تأمين كميات كافية من الدولار الأمريكي، ولم يكن أمامها من خيار سوى البدء في التعامل بالليرة التركية أيضًا.

وغير معلوم حتى الآن طبيعة الصفقة التي تم إبرامها بين سلطات إدلب وبين تركيا، لكن ومنذ بدأت حكومة الإنقاذ في تسعير المنتجات ودفع المرتبات بالليرة التركية بدأت شحنات ضخمة من العملة التركية في الدخول إلى إدلب.

وبينما بدأت تبعات استخدام الليرة التركية على نطاق واسع في الظهور بشكل واضح؛ فقد أثارت ترتيبات تلك العملية عددًا من المخاوف.

في المقام الأول فإن إدلب لا تملك مؤسسات مجتمع مدني مستقلة قوية وفعالة، قادرة على تنظيم سعر الصرف بين الليرة التركية والليرة السورية بعيدًا عن التلاعب، وبدلًا من ذلك فقد وقعت تلك المهمة على عاتق حكومة الإنقاذ وتحديدًا المنتمين لهيئة تحرير الشام، بما فيهم بنك الشام وبنك نجد، وتلك الأماكن التي يقع على عاتقها التمويل داخل الإقليم تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، مما جعل الهيئة حرة في بسط سيطرتها، وهو ما تفعله هيئة تحرير الشام على وجه التحديد.

ومؤخرًا قامت هيئة تحرير الشام بإعطاء مهلة مدتها أسبوعين لاثنتين من شركات الصرافة الغير مرخصة، من أجل تسجيل نفسها أو التوقف نهائيًا عن العمل، حتى أن مجموعة فروع شركة “حوالة” وهي منظومة شهيرة لنقل الأموال تُستخدم في الدول العربية وجنوب آسيا؛ باتت هي الأخرى تحت سيطرة هيئة تحرير الشام بشكل متزايد، ونتيجة لذلك فإن منظمات الإغاثة الإنسانية والتي كانت تستخدم تلك المنظومة لنقل الأموال ربما تعمل على تقليل أو إنهاء أعمالها في إدلب، وهي المنطقة التي يوجد بها مليوني سوري يعتمدون على تلك المنظمات.

وثانيًا فإن تحويل الأموال إلى العملة الأجنبية من غير المرجح أن يحمي السوريين من انهيار قيمة الليرة السورية، وربما يساعد على استقرار قيمة المدخرات وتحسين القوة الشرائية لموظفي القطاع الخاص والعمالة المؤقتة التي غالبًا ما تتقاضى أجورها بالليرة التركية، لكن هناك الآلاف في إدلب الذين لا زالوا يتقاضون رواتبهم من النظام بالعملة المحلية، والذين سيعانون بسبب انخفاض القوة الشرائية بشكل متزايد.

وأخيرًا فإن الليرة التركية لن تكون بمثابة المنقذ، ومن الصعب اعتبارها عملة مستقرة، وقد فقدت 17% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي منذ يناير الماضي، وهذا يعود لانتشار فيروس كورونا وأسباب أخرى، والبنك المركزي التركي يعاني من قلة احتياطي النقد الأجنبي، مما ينذر باحتمالية استمرار انخفاض قيمة الليرة التركية.

وانتهاج سياسة التعامل بالليرة التركية لن يضر بجميع سكان إدلب، لكنها ستضر بالغالبية منهم، وسوف يزيد عدد السكان الذين يعانون نقصًا في الطعام، وباتت المجاعة أقرب إلى الحدوث، ومأساة سكان إدلب تكمن في أن ليس لديهم خيار آخر سوى تحمُل تلك الأوضاع.

حايد حايد هو زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.