العملة المشفرة باتت سائدة سواء أدركت الحكومات هذا الأمر من عدمه

جوزيف دانا

AFP photo: Jung Yeon-Je

حظيت العملات المشفرة بنجاح هائل خلال العام الحالي، ولم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كانت عملية تشفير العملات سوف تسود وتحظى بالقبول من عدمه – فقد أصبحنا على يقين من تلك المسألة منذ مدة طويلة، وبسبب المخاوف من التضخم والمنصات التجارية التي يسهل التعامل معها باتت العملات المشفرة جزءًا أصيلًا من منظومة النقد العالمية المتغيرة، والتحدي يكمن في رد فعل الحكومات (ومن يقومون بتنظيم عملها) على تلك المسألة، ومن هي الدول التي ستُقدّر قيمة التكنولوجيا التي مكّنت العملات المشفرة (وكيف يمكن لتلك الدول دمج العملات المشفرة في منظومتها المالية)، ومن هي الدول التي ستلجأ بدلًا من ذلك إلى الهروب من الواقع والتظاهُر بأن ظاهرة العملات المشفرة غير موجودة من الأساس؟.

والواقع أن الطريقة التي نقوم بتخزين القيمة عبرها كانت لفترة طويلة انعاكسًا لاقتصادنا ومنظومتنا التجارية، وفي العصور القديمة كنا نقوم بمقايضة البضائع، وبعد ذلك قمنا باستخدام العملات المعدنية الثمينة من أجل تخزين ومبادلة القيمة، وأسفر اختراع الورق عن تطور جديد انعكس على السلع المادية، وتعُد العملات الورقية صنيعة منظومة الأسواق المالية العالمية، وأخيرًا؛ وفي عالم أصبح وبشكل متصاعد يُعرف بالتكنولوجيا الرقمية فقد بات للعملات المشفرة شأن عظيم.

وتوجد العديد من الشواهد التي تؤكّد على سيادة العملات المشفرة هذا العام، أما شركة “كوين بيز” وهي أكبر شركة للعملات الرقمية في الولايات المتحدة فقد دخلت أسهمها المالية إلى مؤشر ناسداك هذا الشهر، بينما أعلنت المؤسسات المالية الكبرى إدخال المزيد من العملات المشفرة إلى الميزانية العامة لتلك المؤسسات، ويأتي ذلك بسبب الارتفاع الصاروخي لقيمة عملة البيتكوين وهي من أشهر العملات المشفرة على مستوى العالم؛ حيث ارتفعت قيمتها من 20 ألف دولار في ديسمبر إلى 65 ألف دولار في بداية إبريل، وفي السادس والعشرين من إبريل بلغت قيمة تداول تلك العملة 53 ألف دولار.

أما شركة تسلا للسيارات الكهربائية التي يملكها إيلون ماسك فقد اشترت ما قيمته 1.5 مليار دولار بعملة بيتكوين المشفرة، وأعلنت أنها ستسمح قريبًا لعملائها بشراء السيارات بتلك العملة المشفرة، أما عملة دوجكوين التي بدأت بمزحة تخص جرو من فصيلة “شيبا إينو” كانت منتشرة عبر الإنترنت؛ فقد ارتفعت قيمتها بنسبة 8100% هذا العام، وتبلغ القيمة الإجمالية لتداول عملة دوجكوين حاليًا 50 مليار دولار، وهي قيمة أكبر من رأس المال السوقي لشركة ماريوت أو فورد.

وبينما شهدت دوجكوين والعملات المشفرة الأخرى تقلبات حادة في الأسعار مؤخرًا؛ فإن السبب وراء تلك التقلبات ربما يؤدي قريبًا إلى المزيد من الاستقرار، والصعود الهائل لأسعار تلك العملات يعود إلى أن المزيد من الأشخاص والمؤسسات باتت تستثمر في تلك العملات المشفرة، لكن ومع انضمام المزيد من الأشخاص والمؤسسات للاستثمار في تلك العملات؛ ستشهد تلك العملات المزيد من النضج والاستقرار، وقد تأرجح سعر بيتكوين الشهر الماضي بين 50 و65 ألف دولار – بنسبة اختلاف عن القيمة الأدنى بلغت 30%، وبجميع الحسابات فإن هذا التقلُب في الأسعار يعُد هائلًا، لكن وبالنظر إلى حجم النقد الذي تضخه المؤسسات في عملة بيتكوين وكذا بالنظر إلى المصالح الدولية فقد استقرت الأسعار بشكل كبير حول المعدل الحالي، وهؤلاء الذين تابعوا عملية تطور عملة بيتكوين على مدار السنوات العشر الماضية يتوقعون أن تشهد تلك العملة تقلبات هائلة، ومن المنطقي أن نتوقّع أن يقل معدل التداول التجاري في نهاية الأمر.

وعلى الرغم من تصاعُد شهرة العملات المشفرة لا يوجد منهج موحد للحكومات من أجل التعامل معها، وقد أعلنت إدارة بايدن في الولايات المتحدة عن نيتها القيام بتشريعات جديدة لتنظيم العملات المشفرة – لكن حتى الآن لم تتضح طبيعة تلك التشريعات، وفي ذات الوقت فإن الصين التي لديها قوانين صارمة لتنظيم استخدام العملات المشفرة أعلنت نيتها عن إطلاق عملة رقمية خاصة بها، والواقع أن اليوان الرقمي (الصيني) سيقوم على ذات تكنولوجيا البيتكوين، ومن المتوقّع أن يكون مثالًا يُحتذى للحكومات على مستوى العالم، وعلى الجانب الآخر من سلسلة العملات المشفرة هناك الهند التي تدرس إصدار قوانين لمنع تداول العملات المشفرة بصورة فعلية – كجزء من حملة أشمل ترمي إلى تقليص الإنترنت المفتوح، وباختصار فإن رد فعل الحكومات على العملات المشفرة يتسم بالتردد.

ومن ناحية أخرى فقد باتت هناك عوائق تقف أمام أسواق المال، وقد قفز مؤشر وول ستريت في عربة العملات المشفرة الشهر الحالي، وقد فعل ذلك دون الدخول في عمليات تجارية حقيقية باستخدام تلك العملات، بينما باتت هناك رغبة شديدة لدى المشاركين في أسواق الولايات المتحدة من أجل إنشاء صندوق من أجل التداول التجاري للعملات المشفرة، والواقع أن هيئة الأوراق المالية والبورصات لا تزال ترفض السماح بهذا الأمر، وعلى الرغم من كثرة المزايا التي تتمتّع بها كوين بيز فإنها تبقى بمثابة وكيل – حيث أن سعر السهم الخاص بها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأسعار العملات المشفرة الشائعة.

وهناك حجة لدى المشككين في العملات الرقمية ضد عملات مثل بيتكوين؛ مفادها أن تلك العملات سيكون التعامل التجاري بها بطيئًا استنادًا للقواعد العملية، وسجل المعاملات التجارية لبيتكوين يمكن التعامل معه من أي مكان في غضون فترة تتراوح بين 15 دقيقة و60 دقيقة؛ وهذا الأمر يعتمد على حجم العمليات التجارية، وفي العالم الواقعي لا يمكن لشخص ما الانتظار لمدة 15 دقيقة من أجل تسديد ثمن القهوة، وتلك الحجج صحيحة؛ لكنها فشلت في التعاطي مع مسألة أن العملات المشفرة هي “عملات متغيرة”، والواقع أنك تقوم بتخزين القيمة في تلك العملات لكن من المرجح أنك ستعمل على استبدالها بالدولارات أو الدراهم أو البات… إلخ من أجل شراء قهوتك.

أو فيما يخص تحويل الأموال، ودعوني هنا أوضح مثالًا شخصيًا، فقد اعتدت بانتظام على تحويل الأموال من الولايات المتحدة إلى جنوب أفريقيا حيث تعيش زوجتي، وفي الماضي كان هذا الأمر يستدعي أن أتواصل مع البنك الأمريكي الخاص بي وأقوم بتسديد رسوم باهظة والانتظار لمدة يومين ليتم تحويل الأموال، واليوم أنا أقوم بشراء إحدى العملات المشفرة المستقرة المرتبطة بسعر الدولار الأمريكي، أو شراء العملات المشفرة التي لا تصيبها تقلبات الأسعار مثل بيتكوين، وهناك الكثير مما يُسمّى بالعملات المستقرة، وأنا أستخدم عملة تُسمّى “الدولار الأمريكي”، والأمر لا يستغرق سوى لحظة واحدة كي أتمكن من شراء ما أريد من العملات المستقرة المشفرة التي أتعامل بها، ثم أقوم بعد ذلك بإرسال تلك الأموال إلى زوجتي في جنوب أفريقيا عبر حافظة العملات المشفرة لديها، وتلك العملية برمتها تستغرق دقائق معدودة والرسوم عادة ما تقل عن دولارين اثنين، علاوة على ذلك أستطيع القيام بتلك العملية كاملة عبر الضغط مرتين من خلال هاتفي.

وجاء مؤخرًا إعلان شركة إدارة الأصول الرقمية الكندية “ثري آي كيو” عن نيتها لإضافة صندوق بيتكوين الخاص بها لناسداك دبي؛ وهذا الأمر يعُد خطوة أخرى في الاتجاه الصحيح، أولًا لأنه يثبت أن الإمارات العربية المتحدة تعمل على تخفيف القيود على العملات المشفرة، وتتبنّى التكنولوجيا كي تكون جزء لا يتجزأ من المنظومة المالية لدولة الإمارات، وثانيًا فقد حلت دبي خلف صندوق بيتكوين في بورصة تورنتو العام الماضي، وجاءت متفوقة على صناديق أخرى من سنغافورة وتايوان والسويد والولايات المتحدة، وهذا سيجعل هناك إمكانية لاستمرار المعاملات المالية للصندوق على مدار 24 ساعة، ومن ثم المزيد من الاستقرار في الأسعار.

وكي نعيد صياغة الجملة التي قالها بوب ديلان الحائز على جائزة نوبل في الآداب؛ فإنه يجب على الحكومات ألا تقف عائقًا أمام العملات المشفرة إن لم تستطع المعاونة في تطوير تلك العملات، في الأوقات التي تشهد فيها تلك العملية تقلبات شديدة.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.