المملكة العربية السعودية لاعباً رئيسيًا للهند وباكستان بفضل زيارة ولي العهد السعودي إلى كلتا الدولتين

حسن الحسن

AFP photo/Aamir Qureshi

تمثل زيارة الولي عهد السعودي “محمد بن سلمان” إلى باكستان والهند فصلا جديدا في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وجارتيها في جنوب آسيا. وبفضل ضخ عشرات المليارات من الدولارات في الاستثمارات المحتملة، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تجعل من نفسها لاعبا رئيسيا في مشروع “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني”، وفي قطاع الطاقة في الهند، الأمر الذي يعزز وجود المستثمرين السعوديين في الاقتصاديات النامية في جنوب آسيا. وعلي الرغم من أن هجوم بولواما والذي أودي بحياة أربعين “40”جنديًا هنديًا في كشمير قد يلقي بظلاله علي رحله الأمير محمد، فيبدو أن المملكة العربية السعودية نجحت في اجتياز ألازمة، وأزالت الفواصل في علاقاتها مع الهند وباكستان.

وقد كانت رحله ولي العهد إلى جنوب آسيا هدفًا لتغيير علاقات المملكة العربية السعودية مع باكستان والهند. وفي المقام الأول، كانت هذه أول زيارة يقوم بها زعيم سعودي إلى أي من الدولتين على مدار أكثر من عشر سنوات منذ زيارة الراحل الملك عبد الله إلى نيودلهي وإسلام أباد في العام 2006، كما أنها أيضا أول زيارة رسمية يقوم بها ولي العهد الشاب إلى جنوب آسيا، والتي من المرجح أن يحدد نجاحها مكانة المملكة في تلك المنطقة في المستقبل. وبفضل التعهد بضخ عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية في الاستثمار بوجه عام، فمن الممكن لولي العهد السعودي في نهاية المطاف أن ينتقل بالعلاقات مع الهند وباكستان إلى ما هو أكثر من العلاقة التي تربط بين المشتري والبائع.

ومن المرجع أن تصبح المملكة العربية السعودية بفضل استثماراتها في باكستان لاعبًا رئيسيًا في مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. ووقع الجانبان السعودي والباكستاني اتفاقًا بقيمة عشرة “10” مليار دولار أمريكي لتطوير إحدى مصافي النفط في ميناء “جوادر” في باكستان، بالإضافة إلى اتفاقيات لتطوير محطات الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة وإقامة مشروعات زراعية. ولتوضيح حجم هذه الاتفاقيات، أعلنت باكستان عن تشكيل عشرة “10” فرق عمل مشتركة لرعاية الاستثمارات السعودية. وبخلاف النمو الاقتصادي الذي من المحتمل أن تحققه باكستان، فان الاستثمارات السعودية في “جوادر” قد تحمل أيضًا بعدًا جغرافيا اقتصاديا، نظرا لقرب الميناء من ميناء “جابهار” في إيران. ومن المرجع أن تُصاب طهران، وهي التي تأمل في استخدام ميناء “جابهار” مركزًا للتجارة مع أفغانستان وآسيا الوسطي، بالإحباط بسبب إقامة مشروع سعودي صيني بالقرب من ميناء “جوادر”.

وفي نيودلهي، أعلن الأمير محمد عن فرص استثمارية بقيمة تصل إلى “100” مليار دولار أمريكي على مدار السنوات القليلة القادمة. وفي العام 2018، كشف شركة “أرامكو” السعودية، وشركة بترول أبوظبي الوطنية ومقرها “أبوظبي” عن استثمارات بقيمة “44” مليار دولار أمريكي لإنشاء مصفاة “راتنجاري” لتكرير النفط في ولاية ماهاراشترا الغربية. وبالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن شركة “سابك” (الشركة السعودية للصناعات الأساسية) تفكر في الاستحواذ على حصة رئيسية في مصنع للبتروكيماويات في الهند، مما يزيد من التزامات المملكة العربية السعودية تجاه قطاع الطاقة في الهند. وعلي النقيض من ذلك، أشار رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” في مقابلة له مع صحيفة “عكاظ” السعودية، إلى أن الهند ستكون مستعدة للتعاون مع المملكة العربية السعودية في مجال الطاقة الشمسية وتكنولوجيا الأقمار الصناعية. وخلال المؤتمر الصحفي المشترك بين الهند والسعودية، تم الإعلان عن توقيع المملكة العربية السعودية علي الاتفاقية الإطارية لإنشاء التحالف الدولي للطاقة الشمسية، وهي مجموعه أنشأتها كلٌ من فرنسا والصين خلال مؤتمر المناخ “COP21” في باريس.

ومع ذلك، فإن الهجوم الانتحاري الذي وقع في مدينة “بولواما” في الرابع عشر “14” من فبراير/شباط، قد يلقي بظلاله علي زيارة الأمير محمد. وتتهم الهند باكستان بالوقوف وراء جيش محمد، وهي الجماعة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم. وقبل هذا الهجوم بيوم واحد، أسفر هجوم آخر أيضا عن مقتل 27 من أعضاء فيلق الحرس الثوري الإيراني، واتهمت إيران باكستان أيضًا بالضلوع في هذا الهجوم. وقد تعهدت الهند- وهي على موعد مع الانتخابات في غضون شهرين – بالرد على هذا الهجوم، بينما سحبت إيران مبعوثها بإسلام أباد، الأمر الذي وضع باكستان تحت ضغط هائل.

وفي خضم هذا التوتر، كان علي المملكة العربية السعودية أن تدير الأمور بشكل أكثر توازنًا حتى لا يُنظر إلى بوادر العلاقات مع باكستان علي أنها موجهه ضد الهند، والعكس صحيح. وهذا إنجاز لم يكن من السهولة بمكان تحقيقه. فعلي سبيل المثال، فسرت صحيفة “انديان اكسبريس” – وهي جريده ليبرالية- إحدى العبارات الواردة في البيان السعودي الباكستاني المشترك حول ضرورة الامتناع عن “تسيس نظام الانضمام إلى الأمم المتحدة” باعتباره “ازدراء” لجهود الهند الرامية إلى تصنيف زعيم “جيش محمد”، مسعود أظهر، إرهابيًا من جانب الأمم المتحدة، وذلك علي الرغم من تأكيدات المسؤولين الهنديين بعدم الإقدام على هذا الأمر.

ومع ذلك، تشير الطريقة التي استقبلت بها إسلام آباد ونيودلهي الأمير محمد إلى نجاح المملكة العربية السعودية في إزالة الفواصل في علاقتها مع الدولتين من خلال إقامة شراكات مع الجانبين. وبطبيعة الحال، بذلت باكستان جل ما في وسعها، حيث أطلقت “21” طلقة مدفعية احتفالاً بالأمير، وإغلاق العاصمة خلال زيارته. ورد الأمير محمد على هذا الترحيب بإصدار الأوامر بالإفراج عن أكثر من “2,000” سجين باكستاني في السجون السعودية. وفي نيودلهي، خرج رئيس الوزراء الهندي عن البروتوكول المعهود باستقباله الأمير محمد في المطار. وفي مؤتمرهما الصحفي المشترك، تناول الأمير محمد بصورة غير مباشرة هجوم “بولواما” بالتعهد بزيادة نطاق تبادل المعلومات الاستخبارية مع الهند والتعاون معها في مكافحه الإرهاب.

وبذلك، يبدو أن المملكة العربية السعودية قد حققت توازنا بين التأكيد على الشراكة الممتدة عبر عقود بين المملكة العربية السعودية وباكستان، مع التأكيد على التزامها بزيادة شراكتها الإستراتيجية مع الهند. وبعد أن تخطت المملكة بنجاح الموقف المتأزم بين الهند وباكستان، فمن شأن زيارة الأمير السعودي وقدرته علي الالتزام بضخ استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، أن تجعل من المملكة العربية السعودية لاعبًا رئيسيًا في منطقة جنوب آسيا والتي تتناسب مع الثقل السياسي والاقتصادي للمملكة.

AFP PHOTO/AAMIR QURESHI