لأجل حماية مواطنيها من جائحة كورونا؛ يجب على تركيا أيضًا حماية اللاجئين السوريين

الكسندرا دي كرامر

AFP photo

مما لا شك فيه أن ظهور جائحة كورونا (كوفيد-19) أدّى إلى حدوث مشكلات هائلة على مستوى العالم، لكن تركيا أصبحت أمام تحديات إضافية: فقد باتت تستضيف أكبر عدد من اللاجئين على مستوى العالم، ووفقًا لإحصاءات المركز النرويجي للاجئين هناك 4.3 مليون لاجئ سوري على الأراضي التركية، مما يمثل عبئًا إضافيًا للسلطات التركيا التي بات عليها توفير الرعاية الاجتماعية والصحية للجميع، ومسألة نجاح تركيا في حماية ملايين اللاجئين على أراضيها سيكون لها تأثير مباشر وجوهري على كيفية تقديم السلطات الخدمات للمواطنين الأتراك، وحتى الآن فإن الأمر لا يبشّر بالخير.

ولنبدأ بمسألة توزيع اللقاح وهي أكثر ما يؤرق الناس، وبكل بساطة لا توجد خطة لتطعيم ملايين اللاجئين على الأراضي التركية، وبينما جرت استجوابات في البرلمان حول تلك القضية فإن وزارة الصحة لم ترد عليها بعد.

ولنكون منصفين يجب علينا الإقرار بأن برنامج تطعيم المواطنين الأتراك أنفسهم يعاني من الفوضى، وقد وافقت أنقرة على صفقة للحصول على 50 مليون جرعة من لقاح كورونافاك الصيني، وكان من المُفترض تسليم ما يقارب 40 مليون جرعة بحلول نهاية يناير، لكن هذا لم يحدث، وبحلول الثالث والعشرين من يناير لم يتم تسليم سوى 3 ملايين جرعة، ولم يتم تطعيم سوى 1.2 مليون مواطن في بلد يبلغ عدد سكانه 82 مليون نسمة، (بحلول الثامن والعشرين من يناير وصل عدد الإصابات بفيروس كورونا في تركيا إلى 2.45 مليونًا وأكثر من 25 ألف حالة وفاة).

وبخلاف مسألة عدم كفاية الإمدادات؛ فإن المشكلة الكبرى من منظور الإدارة الصحية تكمن في الازدواجية الواضحة لبرنامج التطعيم بين الأتراك (قلة اللقاح وبطئ عملية التطعيم) وبين اللاجئين (حتى الآن لم تبدأ عملية تطعيم اللاجئين).

والأمر الواضح وضوح الشمس هو أن جائحة كورونا لا تفرّق بين الأتراك واللاجئين، وإذا لم يتم إدراج اللاجئين الذين يمثلون نسبة 5% ممن يعيشون على الأراضي التركية في خطة عاجلة وشاملة للتطعيم؛ فإن هناك خطر مميت من انتشار الجائحة بشكل أكثر حدة في المجتمع مما يعني تكاثُر العدوى، وفي هذا الصدد هناك إحصائية يجب أخذها بعين الاعتبار وهي أن 98% من اللاجئين يعيشون خارج المخيمات – وهذا يعني أن هناك عملية اندماج للغالبية العُظمى من اللاجئين في المجتمع التركي.

وهذا يؤكد على واحدة من بعض الأشياء التي نتجت عن الجائحة: وهي ضرورة وجود خطة شاملة للسيطرة على العدوى بصورة كلية، وذلك لأننا لا يمكن أن ننظر بعين الاعتبار لجماعة واحدة فيما يخص التطعيم ونستثني أو نؤجل تلك المسألة بالنسبة لجماعة أخرى تعيش مع تلك الجماعة الأولى في ذات المكان.

ثم أن هناك البُعد الاقتصادي، والفقر له تأثير مباشر على التداعيات الصحية، ولكي نوضح الأمر بصورة أكبر يجب علينا القول أن الأشخاص الفقراء لا يحصلون على الغذاء بشكل جيد – أو أنهم يحصلون بالكاد على الغذاء، وهذا الأمر يعمل على إضعاف مناعتهم في مواجهة مجموعة كبيرة من العدوى، كما أن قابليتهم للمرض تعمل على إضعافهم، وإذا ما أصيبوا بجائحة كورونا فإن فرصتهم في التعافي تصبح قليلة.

في مايو من العام الماضي كشف تقرير للمجلس الدنماركي للاجئين عن أن 74% من أسر اللاجئين السوريين يعانون من خطر الوقوع تحت خط الفقر، وقد صدر هذا التقرير منذ 9 أشهُر مضت، وأغلب الظن أن الموقف اليوم بات أسوأ من ذي قبل، وبالنسبة للسوريين المؤهلين للعمل في تركيا؛ فقد أشارت مؤسسة أبحاث السياسة الاقتصادية في تركيا في تقرير لها صدر في ديسمبر إلى أن 36.5% من هؤلاء تم تسريحهم من العمل، وما فاقم من الوضع هو أن هذا الأمر حدث في ظل الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، لكن ولأن 90% من القوة العاملة السورية في تركيا تعمل في قطاعات غير رسمية؛ فإن العدد الحقيقي للعمال الذين فقدوا وظائفهم ربما يكون أكثر من ذلك.

ومع تدهور الاقتصاد ونقص الوظائف فقد بات اللاجئين يعتمدون بشكل أكبر على المساعدات الاجتماعية، لكن تركيا التي كانت تعاني في الأساس من أزمة اقتصادية قبل ظهور الجائحة باتت تعاني من قلة الموارد والتي تكفي بالكاد مواطنيها، فما بالك بالمهاجرين السوريين، والواقع أن تركيا أطلقت في مارس الماضي حملة لجمع التبرعات من أجل دعم أصحاب الدخول القليلة من المواطنين الأتراك.

وتقول مؤسسة أبحاث السياسة الاقتصادية في تركيا إن 5.5% فقط من اللاجئين السوريين مؤهلون للحصول على الدعم الخاص الذي وفرته الحكومة لمواجهة جائحة كورونا، وبينما يحصل السوريين المسجلين في برنامج الحماية الطارئة على 120 ليرة شهريًا (وهو ما يعادل 16 دولارًا وفقًا لسعر الصرف الرسمي) في إطار برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، لكن هؤلاء تم استثنائهم من برنامج الدعم النقدي الذي تقدمه وزارة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية؛ والذي يبلغ 1000 ليرة لكل أسرة شهريًا.

وتشير التقديرات إلى أن تركيا ستكون قادرة على العودة إلى الحياة الطبيعية بحلول منتصف العام 2022 – إذا ما سارت خطة التطعيم كما هو مخطط لها، لكن من الواضح أن تلك الخطة تواجه صعوبات هائلة، وبالطبع هناك متسع من الوقت للتعويض، وعلى أي حال فإن تلك الحسابات لا تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي قد تصيب ملايين السوريين الذين يعيشون على هامش المجتمع التركي، وإذا ما بقي هؤلاء خارج خطط التطعيم، وإذا ما تُرِك هؤلاء للوقوع في براثن الفقر والاستنزاف الصحي أكثر من ذلك، سيكون هناك تحدِ أمام تركيا للوصول إلى حالة مناعة القطيع المطلوبة لأجل عودة الحياة إلى طبيعتها مرة أخرى.

ألكسندرا دي كرامر صحفية تقيم في اسطنبول، وتنقل “ألكسندرا” أخبار الربيع العربي من بيروت بصفتها مراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “مليت”، وتتناول “ألكسندرا” في عملها أخبار الشؤون الجارية والأخبار الثقافية، ولها كتابات في مجلات “مونكليه” و”كورير”، و”مايسون فرانشيز” وصحيفة “اسطنبول آرت نيوز”.