جائحة فيروس كورونا تحول دون انعقاد منتدى “دافوس” السنوي. فما دلالة هذا الأمر؟

جوناثان جرونال

AFP photo: Fabrice Coffrini

إن قرار المنتدى الاقتصادي العالمي بإلغاء اجتماعه السنوي في دافوس في يناير/كانون الثاني بسبب جائحة كورونا له عواقب اقتصادية خطيرة – على ملاك مطاعم وفنادق وبارات منتجع التزلج السويسري والعاملين بها. وبخصوص بقية دول العالم – ربما الأمر كذلك فعلاً.

ووفقًا لأحد التقييمات الاقتصادية، بلغت عائدات الاقتصاد المحلي في سويسرا، بسبب استضافة المنتدى الاقتصادي العالمي، 66 مليون دولار في عام 2017 وحده. وفي هذا العام، يتعين على السويسريين ترشيد الإنفاق.

والجانب المشرق في هذا الأمر هو أن هواء جبال الألب يجب أن يكون نقيًا على الأقل ولو لفترة قليلة. وفي يناير/كانون الثاني 2019، وحتى عندما اجتمعت كبار الشخصيات للتحدث معنا بخصوص تغير المناخ، فمن المفارقات أن أحدًا لم يندهش من أن معظم الشخصيات جاءت إلى المؤتمر على متن عدد قياسي من الطائرات الخاصة والتي حلقت في سماء المخيم الكشفي السنوي.

إن اختفاء دافوس من عناوين الصحف العالمية هذا العام هو فرصة لتفادي السيل المعهود من العبارات الطنانة والتعهدات والمبادرات والتوصيات وطرح سؤال ما بسيط، هل هناك أهمية للمنتدى الاقتصادي العالمي؟ أم أنه أشبه بـ”جبل أوليمبوس” المركزي المغطى بالثلوج والرامز للفضيلة، والذي يستمد منه أهل المليارديرات عزيمتهم لمواجهة شرور الاتجار بالبشر/الاحتباس الحراري/عدم المساواة في الرعاية الصحية/الفقر/المساواة بين الجنسين/ وأمور أخرى، والعمل بهدوء على أن يكون كل هذا في العالم الحقيقي مسألة تجارية كما هو معتاد؟.

ولأنني لا أعرف “كلاوس شواب”، المهندس الألماني الذي أسس المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 1971، فلن أفترض إلا أنه مهتم حقًا بتغيير العالم للأفضل. وهذا الانطباع مستمد من كتابه الذي ألفه في العام 2017 ويحمل عنوان “الثورة الصناعية الرابعة”. وفي هذا الكتاب، يقول “كلاوس” أنه لا يمكن القضاء عل الاضطراب المجتمعي من خلال الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتكنولوجيا النانو والمركبات ذاتية القيادة والحوسبة الكمية وما شابه ذلك باعتباره “فرصة للجميع إلا “بالتعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص”.

وبعد أربع سنوات، بات أعظم نتائج الثورة العظيمة هو تقليص القوى العاملة البشرية لصالح الآلات، وزيادة ثراء حفنة من الأفراد الأثرياء بالفعل أمثال “جيف بيزوس” (والذي استقال في وقت سابق من هذا الشهر من منصب الرئيس التنفيذي لشركة أمازون من أجل الاستمتاع بثروته.)

وفي كتابه “كوفيد-19 “إعادة الضبط الشامل”، والذي نشره “شواب” مع اندلاع الجائحة العالمية في يوليو/تموز 2020، بأن “احتمالات حدوث تغيير والخروج بنظام جديد باتت غير محدودة، والعائق هو خيالنا فقط.” ورغم ذلك، تشير جميع المؤشرات إلى أن الطريق مسدود أمام “إعادة الضبط”. وبمجرد الانتهاء من الأمور الضرورية قصيرة الأجل والتي بسببها جاء الإغلاق، والعمل من المنزل، والإجازات، وفترة التوقف عن سداد قسط الرهن، سيسترد الاقتصاد العالمي عافيته وكفاءته. وبعد كل هذا، هناك خسائر يريد المساهمون تعويضها.

وجاء الدور على أحدث إصدارات “شواب”، وهو كتاب بعنوان: “رأسمالية أصحاب المصلحة”: اقتصاد عالمي يعمل من أجل التقدم والناس والكرة الأرضية”.

وتعتقد مجلة “فوربس”، وهي مجلة دائما ما تتوافر داخل الطائرات الخاصة، أن كل هذا صعب المنال. و”ستفشل” رأسمالية أصحاب المصلحة التي أنتجها الاقتصاد العالمي. ومن مزايا رأسمالية أصحاب المصلحة بصفتها حالة عامة أن تلك الرأسمالية “لا تلزم الشركات الكبيرة بفعل أي شيء على وجه الخصوص”، وأن الشركات “ستواصل وحدها حصد الأموال لصالح المساهمين بها والمديرين التنفيذيين، مع إظهار نوع من الحساسية الاجتماعية الرائعة والإيثار النموذجي”.

وهنا يكمن السر في عدم جدوى المنتدى الاقتصادي العالمي. إنه الرغبة الكبيرة والعظيمة في الظهور والتحدث مع المشاهير المختارين بعناية، والاستماع إلى شخصيات بارزة بعينها، حتى يتمكنوا من إظهار مدى اهتمامهم بالمآسي المختلفة للنساء والشباب والفقراء والكرة الأرضية وما إلى ذلك. ويقدم هؤلاء المشاهير والشخصيات البارزة التعهدات، ويلتزمون بالانضمام إلى “قادة الفكر” الآخرين رفيعي المستوى في فريق العمل أو اللجنة هذه أو تلك، ويتفقون على الاجتماع في نفس المكان العام المقبل.

وبالعودة إلى العالم الحقيقي، وعلى الرغم من كل الهواء الساخن المتصاعد من جبال الألب، لا شيء يتغير. وفي أحدث تقرير سنوي لـ”أوكسفام” حول التفاوت المجتمعي، والذي يصدر كل عام في وقت معين بالتزامن مع مهرجان دافوس اللامع، لخص هذا التقرير الشهر الماضي إلى أنه بعد أن ضرب فيروس كورونا العالم لأول مرة في فبراير/شباط 2020، لم يستغرق الأمر سوى تسعة أشهر فقط حتى استعاد أكبر 1000 ملياردير في العالم ثرواتهم مرة أخرى, وفي الوقت نفسه، يأمل الفقراء في العالم عن 10 سنوات فقط ان يعودوا للوضع غير المثالي الذي كانوا عليه عشية الجائحة. إن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” لم يخلق حالة مع التفاوت المجتمعي فحسب، بل جاء ليؤكد عليها.

ولا تكل منظمة أوكسفام أبدًا من التذكير بأن هذا عالم يمتلك فيه 2000 شخص ثروة لن يستطيعون إنفاقها ولو كان عمرهم ألف عام. بينما هناك نصف البشرية تقريبًا يواجهون شظف الحياة بأقل من “5,5” دولارات في اليوم.

وعلى مدار الأربعين عامًا الماضية، حصد الـ”1%” الأغنى في العالم أكثر من ضعف دخل “50%” في المائة من سكان العالم الفقراء. ولا عجب في أن الـ”1%” الأغنى في العالم قد استهلكوا ضعف ما استهلكه الـ”50%” الفقراء من الوقود الأحفوري على مدار الخمسة وعشرين عامًا الماضية.

ويقدم التقرير الاجتماعي العالمي لعام 2020 الصادر عن الأمم المتحدة صورة قاتمة مماثلة، مشيرًا إلى أنه منذ عام 1990 “ازداد التفاوت في الدخل في معظم البلدان المتقدمة وفي بعض البلدان ذات الدخل المتوسط”، وأن “الدخل والثروة يتواجدان في الطبقة العليا بشكل متزايد” وذلك في جميع دول العالم.

ويشعر “شواب” بالصدمة. ولهذا كتب أنه “لا يمكننا الاستمرار في نظام اقتصادي يحركه قيم أنانية، مثل تعظيم الأرباح على المدى القصير، وتجنب الضرائب والقوانين، أو نشر الضرر البيئي.

و”بدلاً من ذلك، هناك حاجة إلى مجتمع واقتصاد ومجتمع دولي مهمته رعاية جميع الأشخاص والكوكب بأسره.”

ونسعى لذلك، ولكننا لن تبلغه أبدًا. إن “إعادة الضبط الشامل” و”رأسمالية أصحاب المصلحة” من وحي الخيال. وتسير الرأسمالية بالشكل الذي عليه عن عمد، ولا أحد من الذين يستفيدون منها على وشك تغيير مسار الكسب السهل لصالح غيرهم.

ويأخذ المنتدى الاقتصادي العالمي على عاتقه “الالتزام بتحسين حالة العالم”. وفي الذكرى الخمسين لإنشاء هذه المنظمة، نجد أن منتدى الاقتصاد العالمي فشل في الوفاء بالتزامه.

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.