مواجهة الحملة الدعائية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” هو إحدى السبل لاسترجاع تاريخ الشرق الأوسط

فيصل اليافعي

وتعود أهمية ما سبق ذكره من كلمات إلى أنها كانت نقطة انطلاق وشعار تلك الحملة التي انطلقت الأسبوع الماضي والتي تذكر وسائل الإعلام ببذل المزيد من الحرص عند إعداد تقارير إعلامية حول الإرهاب. وفي سلسلة أفلام قصيرة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، أشارت تلك الحملة، والتي تحظى بدعم التحالف الدولي، ذلك التحالف السياسي والعسكري المكون من “79” دولة، والذي يتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، إلى أن الهدف من إطلاق كلمات مثل “جندي” و”الذئب الوحيد” و”العقل المدبر” هو مجرد تمجيد للجماعات الإرهابية مثل “داعش” – وقد يساعدهم من تجنيد أتباع جدد.

هذا وقد وضع التحالف إرشادات تتعلق بإعداد التقارير عن تنظيم الدولة الإسلامية – أو داعش، كما تصفه عادة وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية، وهو اختصار يحمل ازدراء لتلك للجماعة – وتتضمن تلك الإرشادات عدم استخدام كلمات مثل “خليفة”، والإشارة إلى الإرهابيين كمقاتلين بدلاً من “جنرالات” أو “قادة”، لأن في هاذين المصطلحين بعض المشروعية، وتفضيل كملة “الإسلاميين” عن “الإسلام”، والتي قد تنطوي على بعض الارتباط بالعقيدة الإسلامية.

إن استخدام لغة دقيقة يساعد وسائل الإعلام على تصحيح الكلمات والأفكار التي تطلقها تلك الجماعات الإرهابية. غير أن تلك الدقة تجاوزت وصف اهداف تنظيم الدولة الإسلامية، فأصبحت تلك الدقة سبيلاً لمواجهة الدعاية الإعلامية لهذا التنظيم وتصحيح أفكاره.

وتمثل تلك اللغة الدقيقة في دول الغرب، والتي يشكل الإسلام فيها المكون الأقل في ثقافتهم العامة، سبيلاً لتصحيح العقيدة الإسلامية من منظور ضيق، وكثيرًا ما يكون هذا المنظور سلبي. وتعد تلك اللغة أكثر أهمية في منطقة الشرق الأوسط، لأنها السبيل لاسترجاع تاريخ الشرق الأوسط.

وتعرف مشاهدو وسائل الإعلام الغربية ولأول مرة على المصطلحات الإسلامية مثل “خليفة” من خلال التقارير الصادرة عن تنظيم الدولة “داعش” ومن قبله تنظيم القاعدة، ولكن يجب توخي الحذر عند استخدام تلك اللغة في منطقة الشرق الأوسط، لأن معظم المصطلحات التي تستخدمها الجماعات المسلحة هي في الأساس مصطلحات ذات خلفية تاريخية ودينية. فكلمة “خليفة” و”أمير” و”جهاد” و”مجاهد” وغيرها من المصطلحات تحمل جميعها معاني محددة، وبالتالي فإن استحضار تلك الكلمات وإسقاطها على تنظيم وحشي كتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” هو منح تلك الجماعة مشروعية لا تستحقها.

وبالفعل، يمثل استخدام اللغة السليمة في هذا السياق سبيلاً لتصحيح لغة الدين الإسلامي وأفكاره واسترجاعها بعد أن تعرضت للازدراء على يد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” رغم أنها مازالت تُطبق على التنظيم حتى الآن. وبخلاف الغرب، حيث المصطلحات الإسلامية غير مألوفة له، نجد أن تلك المصطلحات الإسلامية تُستخدم بانتظام في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى أي حال، لا يتعلق هذا الأمر بالمسلمين فقط، فالجماعات الدينية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط تستخدم اللغة العربية وبتلك اللغة تنشر أفكارها الدينية مستعينة في ذلك بنفس الكلمات. ورغم كل هذا، نجد أن المسحيين العرب يستخدمون كلمة “الله” للإشارة إلى “الرب”، ونجد أيضًا أن هناك مفاهيم تعزز فكرة “الجهاد” الإسلامي، و”المثابرة” لنيل حياة دينية، وجميعها تتشابه تشابهًا دقيقًا مع مصطلحات أخرى في الديانة المسيحية واليهودية وغيرها من الديانات في منطقة الشرق الأوسط.

ويترتب على استخدام اللغة الدقيقة أيضًا تمكين المتأثرين بالتعاليم الدينية من التمييز بين الأفكار المقبولة والمتطرفة. ويسيء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” دومًا استخدام المفاهيم المستخدمة حاليًا في العالم الإسلامي، ومنها “فقه” و”شريعة”، ولا يمتلك العديد من الشباب في أنحاء العالم الإسلامي الأدوات التي تمكنه من التمييز بين تفسيرات الشريعة الإسلامية الصادرة عن كبار العلماء في منابر العلم مثل الأزهر وبين التفسيرات التي يطلقها السفاحون غير المؤهلين في الرقة عبر منصة التواصل الاجتماعي “تويتر”.

ويتمتع القائمون بالدعاية الإعلامية في تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بقدرتهم الفائقة على الربط بين قصص العنف والعقيدة، ومازال هذا الارتباط الشديد سببًا في انضمام أتباع جدد إلى التنظيم. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من المهم للغاية تجاوز مجرد وصف أفكار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بدقة – ومواجهة تلك الأفكار بفعالية.

إن الرسائل الموجهة، كالتي يستخدمها مركز “صواب”، وهو مركز اتصالات إماراتي أمريكي مشترك ويتخذ من إمارة أبوظبي مقرًا له، ومتخصص في مكافحة أفكار “داعش” عبر منصات التواصل الاجتماعي، هي رسائل ذات أهمية بالغة لأنها تلقي الضوء على حقيقة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ذلك أنه من الضرورة بمكان تعريف من يتأثر بالدعاية الإعلامية بحقيقة العبارات النصية التي يبثها هذا التنظيم، وأسلوب حياة المجندين، وكيف تمضي حياة الضحايا القابعين تحت احتلال التنظيم، وذلك باستخدام اللغة التي يفهمها هؤلاء، وفي الأماكن، وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، التي يلتفون حولها.

إن الدعاية الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومن خلال بثها للأفكار العسكرية وفيديوهات الشباب وهم يستخدمون الدبابات والأسلحة، قد تثير لوعة الشباب الآخر للانضمام إلى هذا التنظيم. وكلما كان الداعمون المحتملون لتنظيم الدولة الإسلامية أكثر دراية بالواقع المرير الذي يخفيه هذا التنظيم، كانوا أكثر دراية بالطريقة التي يعتنق بها شعوب المنطقة أفكار هذا التنظيم، وبالتالي كانوا أكثر قدرة على فهم نوايا الدعاية الإعلامية للتنظيم، ويمكن أيضًا باستخدام نفس اللغة التي تمجد هذا التنظيم كشف حقيقتهم التي هم عليها.

لكونها امرأة بريطانية، قالت “فيجن ميري”، والتي قُتل ابنها في تفجير انتحاري بالقنابل على حفل غنائي في مدينة مانشستر في العام 2017 – وهو الهجوم الذي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنه – في أحد الفيديوهات التي تنظمها الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية، إن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” “ليس دولة”، إنه مجرد مجموعة من الأشخاص الذي يفعلون أشياء مريعة، وليست لهم قيمة ولا يستحقون أن يُشار إليهم بصيغة “الدولة”.” وهذا جُل ما أريد قوله.

لقد فرض تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” واقعه على الشرق الأوسط، فقد سلك أتباعه من الأوربيين والعرب والروس والصينيين طريقهم نحو العراق وسوريا، وسعوا إلى طمس التاريخ بالأسلحة والأفكار الملتوية. واللغة هي الأداة المناسبة لاسترجاع هذا التاريخ، وأيضًا محو التفسيرات الملتوية لهذا التنظيم.

AFP PHOTO/NIKLAS HALLE’N