الترميز الحاسوبي: هل يكون المدخلَ إلى وحدة عربية جديدة تراعي الخصوصيات المحلية؟

سلطان سعود القاسمي

كانت خطابات جمال عبد الناصر الحماسية حول الوحدة العربية ملهمة لجيل كامل من الشباب، حيث دلتهم على ضرورة التلاحم مع بعضهم البعض تحت لواء أمة عربية كبرى. لكن لم يدم الحال طويلاً، إلى أن صرنا نلاحظ مؤخراً سعي الدول العربية لبناء علاقات ولاء قوية مع فئة الشباب، إلاَّ أن هذه الجهود بدورها تواجه تعثرات. فلم تتمكن لا هذه الفكرة ولا تلك من التغلغل بشكل سريع لأنه في كل مرة كانت مصلحة الشباب إمَّا تُعتبر قضية ثانوية أو لم تكن مطروحة أساساً، باستثناء بعض الحالات المعدودة.

إن الدول تحث شبابها على الإخلاص للمثل العليا للقومية الوطنية، لكن بنود العقد الاجتماعي الذي يربط هؤلاء الشباب بالدولة عادة ما تكون غير متكافئة. ذلك أن هؤلاء الشباب مطالبون بالولاء للوطن الجامع، أو الأمة، ولكن دون أن تُعْرَض عليهم مقابل ذلك فرص كفيلة بتمكين الفرد من الازدهار داخل بلده. غير أن هناك تطورات على المستويين الاقتصادي والتكنولوجي من شأنها أن تبعث نفساً جديداً في قائمة الفرص المتاحة للشباب وفي شعورهم بالهوية، بل ويجوز القول إن كل بلد يعترف بهذه التطورات ويعمل على تمكينها سيكون أقرب إلى تحقيق الازدهار، أما البلدان التي تحاول عرقلتها من خلال التشبث بخطاب مبتذل ينم عن نزعة قومية حمائية واهية فستبقى في آخر الركب. وبالنسبة للحالة الأولى، فإن طريقاً ثالثاً قد ينجلي متجاوزاً ثنائية الوحدة العربية والقومية الوطنية.

في 2016، أفادت مجلة “ذي إكونومست” البريطانية بأن شباب المنطقة العربية “يضيع”، وبعدها بسنتين نرى أن العديد منهم لا يزال في حالة تدهور قهري. إن الحروب الأهلية التي لا تزال مستعرة في منطقة الشرق الأوسط تلهي الأنظار والطاقات عن الفرص السلمية المتاحة وتختزل الحياة إلى صراع من أجل البقاء لا غير. وحتى بالنسبة للمحظوظين الذين يعيشون بعيداً عن مناطق الصراع فهم كذلك يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات تكاد لا تنتهي بصلة مع الفساد والمحسوبية وعبث البيروقراطية.

وبما أن الحكومات وحدها تتحمل مسؤولية هذا الوضع، فلا عجب أن نرى المزيد من شباب المنطقة يعزفون عن حكوماتهم، حيث يهاجر بعضهم إن توفرت لهم الإمكانيات، بينما يعانق الآخرون شاشات الحاسوب (في ظل افتقارهم للفرص التي تتيحها التأشيرات وجوازات السفر المقبولة على نطاق واسع). والمفارقة تكمن في أن هذه الشاشات قد تبشر بمستقبل مشرق وأفق مليء بالإمكانيات الجديدة.

فاليوم يُقدر عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي بربع مليار مستخدم. ووفقاً لدراسة أجراها فادي سالم من “كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية”، “يُرتقب بحلول عام 2021 أن يصل عدد مستخدمي الإنترنت الجدد في المنطقة العربية إلى 47 مليون مستخدم، وأن يصل عدد المستخدمين الجدد لإنترنت النطاق العريض على المحمول 45 مليون مستخدم، فيما يتوقع أن يناهز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الجدد 160 مليون مستخدم”. وبالتالي، مع لجوء الشباب العربي لحواسيبهم وهواتفهم المحمولة، فإنهم بصدد خلق فرص جديدة. وفي حين أن هذه الفرص تأتي بطرق لم يكن يتصورها أحد قبل عقدين من الزمن، فالخوف كل الخوف أن تضيع هباء في حال اعترضت الحكومات سبيلها. فبدلاً من فرض العراقيل (كحظر خدمات مثل “سكايب” التي أصبحت ضرورية في مختلف الأعمال، أو حجب أدوات مفتوحة المصدر تمكن من النشر على المواقع، مثل صفحات الجوال المسرَّعة التابعة لشركة “غوغل”) يتعين على الحكومات توسيع مجال الابتكار. فإنْ فعلت ذلك، ستكتشف مثلاً أن “الترميز”، أي عملية البرمجة الحاسوبية لاستحداث برمجيات مُركَّبة ومواقع إلكترونية وتطبيقات محمولة، سيقوي اقتصاداتها.

وخير مثال على قدرة التكنولوجيا، وخصوصاً الترميز، على استحداث الوظائف وخلق الفرص هي مبادرة “غزة سكاي غيكس”، وهي فضاء عمل مشترك أسس سنة 2011 يقدم تدريبات في مجال الترميز ويناول الخدمات لشبكة من المتعاونين الأحرار الذين يقطنون بغزة، بمن فيهم مصممو الألعاب الإلكترونية. هذا وقد حققت لعبة إلكترونية تم تطويرها من قبل إحدى شركاتها الناشئة نجاحاً لافتاً سنة 2016 حيث تم تحميلها نصف مليون مرة. إن هذا الإنجاز لجدير بالإعجاب خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن غزة ترزح تحت حصار مدمر مزدوج تفرضه عليها كل من مصر وإسرائيل، إلى جانب سوء إدارة حماس للقطاع مما أنهك الاقتصاد. ومن الظاهر أن بيئة الابتكار التكنولوجي غير مواتية وغير مساعدة، فسكان غزة لن يشرعوا في استخدام خدمات الجيل الثالث على المحمول إلا خلال السنة الجارية، وذلك بعد أن مضى ما يقارب عقدين من الزمن على توفر هذه الخدمة في مختلف أنحاء العالم. ورغم كل ذلك، حقق المبرمجون في غزة نجاحاً باهراً، وهو دليل على قدرات هذا الجيل الجديد من المبتكرين.

في أكتوبر من العام الماضي، أطلقت دبي مسابقة للمبرمجين تهدف إلى حصر وتدريب مليون شاب وشابة من المنطقة العربية، وهي ربما اعتراف بمدى مثابرة المُرمِّزين. ولا تقدم المسابقة جوائز لأفضل المتنافسين فحسب، بل أيضاً للمعلمين على شبكة الإنترنت. وقد كان الإقبال عليها مذهلاً، ففي وقت سابق من هذا الشهر، قام أكثر من 750 ألف شاب عربي بتقديم طلب المشاركة، ما يعكس حجم اهتمام الشباب بالتكنولوجيا والترميز. صحيح أن التقدم في مجال الإنترنت لا يقوم مقام الحكامة الجيدة، إلا أنه دون شك سيكون مكملاً لها ما دامت الحكومات لا تنظر إلى الإنترنت بنظرة ارتياب ولا تحاول الإفراط في تنظيمه والتحكم فيه.

فبالفعل، إن الإمكانيات تبدو غير محدودة في عصر “إنترنت الأشياء” الجديد. إذ يُتوقَّع بحلول 2025 أن تصبح عشرات المليارات من الأجهزة متصلة عبر “إنترنت الأشياء”، بقيمة اقتصادية مضافة تتراوح ما بين 4 تريليون دولار و11 تريليون دولار على الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا ومن المتوقع أن تسهم “إنترنت الأشياء” بـ70 مليار دولار لصالح منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أنه ليس هناك من سبب وجيه (ما عدا في ذهن الحكومات قديمة الطراز) يحول دون تنافس شباب وشابات المنطقة على حصة أكبر من هذه السوق العالمية التريليونية وذلك من دون مغادرة أوطانهم. وقد وفَّرت دول الخليج فرص عمل كثيرة لشباب العالم العربي خلال العقدين الماضيين، إلا أن إجراءات أمنية صارمة مصحوبة بتوجه نحو توطين مناصب العمل قد دفعت بالكثير من هؤلاء الشباب إلى الهجرة إلى بلدان أخرى لبناء مستقبلهم. ولكن إذا تم منحهم فرصاً متكافئة مع باقي دول العالم، بدلاً من تكبيلهم بقيود محلية، فلن يكون على الكثير منهم سوى التوجه إلى حواسيبهم لإيجاد الفرص.

إذن، هل يمكن للترميز أن يجمع شمل الشباب العربي؟ هذا هو السؤال الذي وجهَّه إليَّ ذات مرة جوي إيطو، مدير مختبر وسائط الإعلام في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” (إم آي تي). فأجبته قائلاً إن ذلك يتوقف على ما إذا كانت حكومات المنطقة ستستمر في النظر إلى الإنترنت على أنها مصدر للتهديدات أم أنها سترى فيها مصدراً للفرص. ففي الحالة الثانية، ستكون هناك إمكانية لإنشاء بيئة جديدة تتسم بروح الوحدة العربية، مبنية على المصالح المحلية والخصائص الوطنية. تُرى، ما الذي كان سيقوله عبد الناصر بهذا الخصوص؟

AFP PHOTO / KHALED DESOUKI