مواجهة التغير المناخي والقبول بالطاقة النووية

جوناثان جرونال

AFP photo: Tony Karumba

ما الذي تفضل وجوده على بعد بضعة كيلومترات من منزلك – غابة صغيرة، موطن لحيوان الغرير، الخفافيش والطيور، أم محطة للطاقة النووية؟ للوهلة الأولى، يبدو “الخيار” الذي يتعين على سكان مُقاطعة سوفولك بشرق إنجلترا مواجهته، من خلال النُشطاء المُناهضين للتوسع في محطة للطاقة النووية بالقرب من قرية “سيزويل” الساحلية، خيارًا سهلاً ولا يتطلب أدنى تفكير. ولكن الخيار المُتاح هو خيار خاطئ. بينما الخيار الحقيقي هو: أيهما تُفضِّل، هذه الغابة، أم فرصة مواتية لعكس تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري التي تهدد الحياة على الأرض؟

من الواضح تمامًا أن الخيار (ب) هو الخيار العقلاني الوحيد، وهو الخيار المُتَّبَع في دول مثل المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة، وهو بمثابة اعتراف بأنه يُمكن الاستفادة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية كبدائل مُستدامة تحل محل الوقود الحفري في توليد الطاقة الكهربية. ولكن العالم في حاجة إلى مزيج من مصادر الطاقة المتجددة، من بينها المصادر التي يُمكنها الاستمرار في إنتاج الطاقة عندما تعجز المصادر الأخرى عن ذلك – فالشمس لا تشرق دومًا، والريح لا تهب أمدًا.

ويكمن الحل في القدرة على تخزين الكهرباء. ورغم مرور عقود من التجارب، إلا أن تخزين الكهرباء على نطاق واسع لا يزال حُلمًا بعيد المنال. ولذا، ففي حالة أدرنا ظهورنا للفحم والنفط والغاز، في الوقت الحالي، ستوفر التكنولوجيا النووية الحل الوحيد لمُعضلة كيفية استمرار الطاقة عندما تغيب الشمس وتسكن الريح.

تعمل محطة الطاقة النووية الموجودة حاليًا في “سيزويل” على إمداد المنازل في المملكة المتحدة بالطاقة الكهربية منذ عام 1966. وقد توقف أول مصنع لها عام 2006. ومن المُقرَّر إغلاق محطة “سيزويل ب” المُتصلة بشبكة الكهرباء الوطنية منذ عام 1995 بحلول عام 2035. ومع قليل من الحظ، ستكون المحطة البديلة لها “سيزويل ج” جاهزة للعمل وتوليد ما يكفي من الكهرباء لإمداد ستة ملايين منزل بحلول هذا الوقت.

ولعل عبارة مثل “مع قليل من الحظ” تكون مُحيرة للمسؤولين عن تطوير مزيج متوازن من الطاقة المتجددة في دول مثل الإمارات العربية المُتحدة والمملكة العربية السعودية، التي أوشكت إحدى محطات الطاقة النووية المُقامة بها على نطاق بحثي على الانتهاء. ومن المُؤكد أن هذه العبارة ليست طرفًا في أي مرحلة من مراحل عملية صُنع القرار عندما يتعلق الأمر بالتخطيط لمحطة الطاقة النووية في مدينة “البركة” في الإمارات، وهي المحطة التي بدأت في الإمداد بالطاقة في أغسطس/آب.

في الواقع أن دول الخليج تواجه صعوبة بالغة في التخلي عن النفط والغاز كمصادر رخيصة ومُتوفرة بسهولة لإنتاج الكهرباء، ولكنهم عازمون على التخلي عن النفط والغاز عاجلاً وليس آجلاً.

وعندما تتصل المفاعلات الأربعة الموجودة في البركة بشبكة الإنترنت- ربما قريبًا في العام المقبل – ستتمكن تلك المفاعلات من تلبية “25%” من الطلب على الكهرباء في الإمارات العربية المتحدة، وهي خطوة ستقلص انبعاثات الكربون بمقدار “21” مليون طن كل عام ، أي ما يعادل التخلص من “3,2” مليون سيارة. تسعى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لتوفير مزيج مستدام من الطاقة، وهو الأمر الذي لن يلقى اعتراض من الاحتجاجات المستمرة والتحديات القانونية من قِبَل جماعة تطلق على نفسها “ليس في عقر داري”.

في الأنظمة الديمقراطية الغربية، نجد أن السبيل الصحيح لمواجهة تغير المناخ مليء بالعقبات التي وضعتها الجماعات الاحتجاجية المُهتمة بتحقيق المصلحة الذاتية والمصممة على الحفاظ على منطقتهم الصغيرة بغض النظر عن التكلفة التي تعود على الصالح العام. هناك على سبيل المثال، مزارع الرياح في المُسطحات المائية المُنتشرة حول الساحل البريطاني، والتي أمدت المملكة المتحدة بـ “20%” من الكهرباء في الربع الثالث من عام 2019، وبدونها لا يمكن للبلاد أن تأمل في الوفاء بتعهدها بخفض انبعاثات الاحتباس الحراري إلى الصفر بحلول عام 2050.

شهدت عملية بناء مزارع الرياح تلك صراعًا من أجل بنائهم – فهي “تفسد إطلالة” المدن الساحلية– ولايزال الخلاف مستمرًا. وتُعد مزرعة الرياح البحرية “لندن آري” واحدة من أكبر مزارع الرياح في بريطانيا، وهي مملوكة جزئيًا لشركة أبوظبي لطاقة المستقبل “مصدر للطاقة النظيفة”. تولد مزرعة “لندن آري كهرباء تكفي لإمداد “500000” منزل بالطاقة النظيفة، من خلال 175 توربينًا.

وفي الوقت الحالي، كان من المفترض أن تولد مزرعة “لندن آري” كهرباء تكفي لإمداد مليون منزل بالطاقة الكهربية. ولكن في عام 2014، أُلغيت خطط مضاعفة عدد التوربينات إثر اعتراضات الجمعية الملكية لحماية الطيور. حيث شعرت الجمعية الخيرية للحفاظ على الحياة البرية بالقلق من أن التطور قد يؤدي إلى عرقلة مستعمرة الغواص أحمر الحنجرة، وهو نوع من الطيور البحرية، على نحو غير مُحدَّد المعالم.

وفي ذلك الوقت، أعرب رئيس سياسة الطاقة بالجمعية الملكية لحماية الطيور صراحة عن أن “تغير المناخ هو أكبر تهديد طويل الأجل للحياة البرية، وأن هناك حاجة مُلحة إلى الانتقال من الوقود الحفري إلى الطاقة المتجددة منخفضة الكربون”. لكن، كما تعلمون، ليس في عقر دار طائر الغواص أحمر الحنجرة.

ومن المُؤكد أن الحجج المناهضة للطاقة النووية مُعزَّزَة بأشباح هيروشيما وناجازاكي، والخيال الشعبي، والكوارث التي حدثت في تشيرنوبيل وفوكوشيما، فضلاً عن القصص المرعبة التي لا أساس لها من الصحة والتي تدور حول علاقة محطات الطاقة والجموع المُفترضة للمُصابين بالسرطان، تحمل تأثيرًا أكبر، ولكنها لا تخلو تمامًا من الصحة.

بالطبع، هناك مخاطر محتملة، تنطوي على تشغيل المحطات والتخزين الآمن للنفايات النووية، ولكن يمكن التعامل مع تلك المخاطر والتخفيف من حدتها من خلال سنوات من الخبرة والتطبيق الصارم للبروتوكولات المتفق عليها دوليًا.

ولا شك أن الخطر في كل مكان. فمن المُمكن أن نغرق أثناء السباحة، أو نسقط من على ممر للسير لمسافات طويلة، أو نُدهَس بسيارة أثناء سيرنا إلى العمل. ولكننا نحكم على أن مثل هذه المخاطر تستحق المجازفة في سبيل تحقيق الإنجازات التي بدونها لن يكون لحياتنا معنى يذكر. ولكن عندما يتعلق الأمر بالطاقة النووية، فإن خوفنا الشديد ينبع من أننا ننظر إلى الخطر من وجهة نظر خاطئة، ونعتقد أنه خارج تمامًا عن السيطرة.

هناك حقيقة بسيطة وهي أن الطاقة النووية أمر أساسي لأي دولة تأمل في موازنة سجلات المناخ الخاصة بها مع الاستمرار في الحفاظ على اقتصادها. وبدون ذلك، لن يكون أمام العالم أي فرصة لإبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري، وهذا يعني فقدان جميع أشكال الحياة على موطن كامل نسميه الأرض – بما في ذلك حيوانات الغرير والخفافيش والطيور.

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.