الجنسية للبيع: تسعى الهويات المفككة كمواطني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الحصول على ملاذ آمن.

ريم تينا غزال

ثلاث عائلات تجمعها قصة واحدة، وهي أن جميعها قد نال مستقبل أفضل. تنتمي إحدى تلك العائلات إلى قطاع غزة، لكنها تحمل الآن جواز سفر دولة “سانت كيتس ونيفيس”، رغم أنها تؤكد على عدم معرفتها بموقع تلك الدولة الكاريبية على الخريطة. وتحمل عائلة أخرى قادمة من مدينة حلب جواز سفر دولة المجر، ولم تتعلم بعد ولو كلمة واحدة من لغة هذه الدولة. وتنتمي العائلة الثالثة لمدينة بغداد وتحمل الجنسية الكندية، لكنها لا تعرف سوى القليل عن تاريخ الدولة التي تبنتها، ولا يزال يتعين عليها دفع الضرائب.

أفادت العائلات الثلاث بأن حياتها تغيرت للأفضل منذ حصولهم على جنسيات بديلة، إذ أصبح بإمكانهم السفر وشراء العقارات والحصول على الرعاية الصحية والبحث عن فرص عمل وتعليم أفضل. وأفاد أحد أفراد الأسرة الفلسطينية / الكاريبية “لم نعد نتعرض للتمييز العنصري أو الإذلال”، وأضاف قائلاً “كنا قبل ذلك مجرد لاجئين، وليس هناك من يحب اللاجئين”.

تجمع العائلات الثلاث جوانب مشتركة أخرى، ومنها أن العائلات الثلاث تنحدر من المناطق التي تأثرت بالصراعات المزمنة والتي أثرت على المنطقة. وفي هذا السياق، أثارت ظاهرة شراء الجنسية تساؤلات هامة ليس فقط بخصوص الأفراد بل أيضًا بخصوص منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي رحلوا منها. ولما كانت الدول الغنية نسبيًا قادرة على شراء تذكرة خروج، فهل هذا يضر بعلاقتهم مع موطنهم الأصلي؟ وما تأثير ذلك على الدولة والأشخاص الراحلين عندما يقرر القادرون مغادرة بلادهم؟

بالطبع، لاسيما في حالة الأزمة السورية، يشمل اللاجئون النازحون على أكثر بكثير من تلك القلة المحظوظة نسبيًا والتي بإمكانها شراء وثائق جديدة، فهناك العديد من اللاجئين الذين يقطعون رحلات خطيرة عبر الحدود بحثًا عن المستقبل المجهول خارج بلدانهم. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، كان الغرب وجهة الكثير والكثير ممن لديهم الموارد لشراء جواز سفر من مواطني الدول التي مزقتها الصراعات مثل سوريا ولبنان والعراق وفلسطين ومصر وباكستان على أمل تغيير حياتهم. وبالطبع، ليس مواطني الدول العربية وحدهم من يبحثون عن جواز سفر بديل، فهناك عدد كبير من الروس والإيرانيين والهنود والصينيين قد رحلوا أيضًا عن بلدانهم لأسباب مختلفة تتراوح ما بين التعليم وفرص الاستثمار وصولاً إلى المناشدات الحقيقة لطلب اللجوء.

مع أن هناك العديد من الدوافع المحتملة خلف هذه الخطوة، يبقى هناك عامل واضح وشامل. يعيش تقريبًا كل شخص في هذا العصر الحديث ويرحل عن هذه الحياة وقد تقلد شكل من أشكال الهويات، غير أن الهويات جميعها ليست بنفس القدر. وبخصوص العائلات الثلاث موضوع النقاش، أظهر تصنيف مؤشر جوازات السفر المستند إلى تقييم السفر بلا تأشيرة أن هناك بعض الامتيازات الواضحة، فيحتل جواز سفر الأراضي الفلسطينية المركز التسعين “90”، مقارنة بالمركز الثلاثين “30” لدولة “سانت كيتس ونيفيس”، ويحتل جواز سفر دولة المجر المركز العاشر “10” مقارنة بدولة سوريا والتي تحتل المركز الخامس والتسعين “95”، وتأتي دولة كندا في المركز السادس “6”، وتأتي دولة العراق في المركز السابع والتسعون “97”، والأرقام تتحدث عن نفسها.

وهناك أيضًا تصنيف للبرد والعملة الصعبة. كثيرًا ما نرى إعلانات عن جوازات السفر الكندية والأسترالية والكاريبية، حيث الاستثمارات – والتي تتراوح صعودًا من مئات الألوف من الدولارات –التي بإمكانها تمهيد الطريق للحصول على الجنسية في نهاية المطاف. وتتم معظم تلك المعاملات علانية وتعتمد على سياسة العمل والسياسات الاقتصادية والإنسانية لبلدان المقصد، غير أنه في حالة الأشخاص البائسين تتضاعف فرص استغلال الأشخاص والصفقات الغامضة.

في الوقت الذي شاهدنا فيه ردة فعل عنيفة في دول أوروبا في السنوات الأخيرة بسبب التدفق الكبير للاجئين الذين لا يمتلكون أحيانًا وثائق مما يثير تساؤلات حول الخسائر المفترضة للهوية الأوروبية، يواجه مزدوجو الجنسية مرحلة سهلة نسبيًا أثناء بحثهم عن سماء آمنة. ورغم ذلك، مازالت هناك معضلات أساسية بشأن الهوية والولاء. وعلى مدار السنوات، كُتبت العديد من القصص عن الهوية والمواطنة، وفي تلك القصة طرحت أسئلة عن الوطنية والولاء. كثيرًا عندما يشتري شخص ما جواز سفر بسهولة –وليس دومًا عن طريق الطرق المشروعة – فإنه لا يرتبط به عاطفيًا بدرجة كبيرة أو يشعر معه بأي وطنية أو ولاء لموطنهم الجديد، على خلاف هؤلاء المهاجرون الذين سلكوا الطرق العادية الصارمة في أغلب الأحيان خلال عملية التجنيس.

أثناء فترة إعداد هذا التقرير، سألت ذات مرة مجموعة من الكنديين والأمريكيين العرب من منهم على استعداد للدفاع عن موطنه الجديد في حالة الحرب. وباستثناء شخص واحد يحمل الجنسية الكندية، لم يقل أي شخص أنه سيحمل السلاح دفاعًا عن وطنه، في حين أن بعضهم قال بأنه سيتخلى ببساطة عن جذوره الجديدة وينتقل إلى مكان أكثر أمانًا، وهذا ما جعل العديد منهم في المقام الأول في تلك البلدان. لم يترعرع أيٍ منهم في بلدهم الجديد، فلماذا يحاربون من اجله؟. لن تتعاظم العاطفة إلا عندما تكون الجنسية صفقة مقايضة واضحة المعالم.

وبنفس درجة تعقيد الموقف في بلدان المقصد، نجد أن قصص الرحيل وما يتركه المرء على نفس القدر من التعقيد. فهناك العائلات التي تستطيع شراء جنسية جديدة، أو حتى تلك العائلات التي تسعى جاهدة على الأرجح للجوء أو التجنيس، وجميعها قادم من بيئة ذات تعليم جيد وأكثر ثراء وتركيبة سكانية أكثر تعددية. وبخصوص البلدان التي مزقتها الصراعات مثل سوريا، أو الشعوب التي تتعرض لقمع مخيف كالفلسطينيين، فإن فقدان مواطنيهم لم تزل ضربة أخرى تهدد استقرار مجتمعات تلك الدول.

ورغم ذلك سيكون من الخطأ بمكان النظر إلى قرارات تلك العائلات على أنها عدم ولاء أو ببساطة السعي وراء مصالحها الشخصية. وبالتأكيد، يرغب عدد قليل نسبيًا من المهاجرين في الحصول على قصر في لندن أو منزل في سيدني، غير أن الأبعد من ذلك هو تلك العائلة الفلسطينية التي تهرب من ظروف صعبة لم تتسبب فيها. وبغض النظر عن نوع الجنسية، يعلم المقربون من العرب المشتتون بأن العاطفة الأكثر اشتراكًا بينهم هي الحنين المؤلم لموطنهم الأم..

Louai Beshara / AFP