علب أحذية مع كل الحب كهدية بمناسبة عيد ميلاد المسيح أم حصان طروادة مرسل من جانب الأصوليين؟

جوناثان جرونال

Image courtesy of Chandan Khan / AFP

تشارك آلاف المدارس في الدول الغربية في مناسبة طفل عيد الميلاد المسيح في شهر نوفمبر من كل عام، حيث يُشجع الأطفال وأسرهم على تعبئة علب الأحذية بالألعاب ومستلزمات النظافة الشخصية واللوازم المدرسية للأطفال الأقل حظا في جميع أنحاء العالم.

وتلقى نحو 186 مليون طفل في أكثر من 160 دولة علب أحذية منذ عام 1990، وذلك وفقا لمنظمة ساماريتان بيرس، وهي مؤسسة خيرية مقرها الولايات المتحدة وهي من يقف وراء المبادرة. وفي عام 2019 وحده، تم توزيع العلب على 10.5 مليون طفل في أكثر من 100 دولة.

بالنسبة للآباء والأمهات في مجتمع استهلاكي ثري نسبيا مثل المملكة المتحدة، فإن مشاركة أطفالهم في مثل هذا المشروع الذي يبدو سخيا ويعكس النيات الحسنة هو أمر بديهي، فهي فرصة للقيام بشيء فاضل ولا يعكس الشعور بالذنب خاصة في موسم الإفراط الجامح، وبالتأكيد هو شيء لا يجب البحث فيه بعمق.

لكن يعرف القليل من الآباء أو المدارس التي تروج للمشروع، ناهيك عن الأطفال الذين يشاركون فيه، أن مشروع طفل عيد الميلاد تديره منظمة متجذرة في التقاليد الإنجيلية المسيحية الأكثر أصولية في أمريكا.

والرئيس والمدير التنفيذي لـ ساماريتان بيرس هو “فرانكلين جراهام” ابن “بيلي جراهام” المبشر المسيحي البارز الذي توفي في عام 2018.

ومن المحتمل أنه إذا علم المشاركون في البرنامج بعلاقة عائلة غراهام بمشروع طفل عيد الميلاد، فسيشعر الكثيرون منهم بعدم الارتياح لارتباطهم بمنظمة تتبنى وجهات نظر قديمة حول مجموعة من القضايا الحساسة في المجتمع الغربي في القرن الواحد والعشرين.

فبالنظر إلى “بيان الإيمان” الخاص بالمنظمة على سبيل المثال، والذي ينص على أننا “نؤمن أن قدرة الله للجنس البشري يجب التعبير عنها فقط من خلال الزواج …” وأن “… الزواج هو حصرا اتحاد ذكر وراثي فقط “.

وبالطبع، سيكون هناك الكثير ممن يتفقون مع ذلك الرأي.

ولكن هناك قضية أكثر إشكالية: فمشروع طفل عيد الميلاد هو مثل حصان طروادة، وهي ممارسة في التبشير لا تتورع عن “مشاركة الأخبار السارة ليسوع المسيح” في البلدان ذات الأغلبية المسلمة.

وعلى حد تعبير فرانكلين جراهام  “تمثل كل علبة أحذية فرصة للوصول إلى طفل آخر بإنجيل يسوع المسيح” ولكن على حد تعبير الجمعية العلمانية الوطنية في المملكة المتحدة، فإن عملية طفل عيد الميلاد ليست مجرد “أصولية مسيحية، مغلفة بالهدايا”.

ما لا يقال للآباء هو ما تقوله عملية طفل عيد الميلاد لمؤيديها: “علبة الأحذية هي مجرد البداية … فعلبة واحدة يمكن أن تؤثر ليس فقط في الطفل، ولكن في الأسرة بأكملها “.

وبعد أن يتلقى الأطفال هديتهم، يتم منحهم “الفرصة للتسجيل في أعظم رحلة، وهي عبارة عن  12 درسا ممتعا وتفاعليا حول الكتاب المقدس، حيث يحصلون على فرصة لاكتشاف من هو يسوع وكيف يبدؤون رحلة إيمانهم الخاصة”.

وليس من الواضح في أي مرحلة من مراحل تلك الدروس سيتعلم الأطفال أن “الحب المذهل” المعروض لهم لديه شروط وأحكام، كما هو موضح في دستور المنظمة، المقدم في منزل الشركة في المملكة المتحدة.

“نؤمن، أن يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص، وأنه … سيكافئ الأبرار بالحياة الأبدية في السماء، وأنه سيطرد الأشرار ويرسلهم إلى العقاب الأبدي في الجحيم “.

وهو شعور ينسجم إلى حد ما مع مقاطع الفيديو البطيئة على موقع المنظمة للأطفال الصغار السعداء في الأراضي البعيدة وهم يعانقون دمى الدببة الجديدة.

وبعد دورة التلقين تلك، “يتخرج” الأطفال ويحصلون على شهادة وكتاب مقدس بلغتهم الخاصة، وتفتخر المنظمة قائلة  “أدى ذلك إلى التبشير والتلمذة والانتشار في جميع أنحاء العالم”.

ولكن على وجه الخصوص، على ما يبدو، في البلدان ذات الأغلبية المسلمة.

وقد وصلت علب الأحذية التي تم جمعها في المملكة المتحدة وحدها إلى الأطفال في تسع دول أو مناطق في العام الماضي وذلك وفقا للتقرير السنوي للمنظمة وهم: آسيا الوسطى وبيلاروسيا ومولدوفا وصربيا وألبانيا وجورجيا والبوسنة وليبيريا ونيجيريا.

ويمثل المسلمون معظم السكان في البوسنة وألبانيا ودول آسيا الوسطى ذات الأغلبية المسلمة في كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، بينما يتبع نصف سكان نيجيريا الإسلام.

ورفض متحدث باسم ساماريتان بيرس إجراء مقابلة، لكنه أصر في بيان على أنه “في كل مكان نعمل فيه، نتبع القوانين ونحترم ثقافة البلدان المضيفة”.

وأضافت المتحدثة باسم المنظمة “لا تصر على أن يكون الأطفال مسيحيين أو يصبحون مسيحيين من أجل الحصول على علب الأحذية” و “بعض الأماكن التي يتم فيها توزيع علب الأحذية لديها لوائح صارمة بشأن توزيع الأدب المسيحي، مما يمنعنا من تقديم أعظم رحلة في تلك المناطق”.

وقالت إن المنظمة “سُمح لها بالعمل في البلدان الإسلامية لأن تلك الدول ترى العمل الحيوي الذي نقوم به والحب الذي نظهره”.

ولكن رفضت الحديث عن كيفية طلب الإذن أو منحه، وما هو عدد الدول الإسلامية التي رفضت منح المنظمة الإذن بالعمل، كما رفضت الكشف عن المكان الذي ستذهب إليه علب الأحذية في شهر ديسمبر، وعدد تلك الدول الإسلامية.

وفي عصر يتزايد فيه التسامح مع جميع الأديان ومع خيارات نمط الحياة، لا يبدو مشروع طفل عيد الميلاد قديم وغير محترم للأخرين فحسب، بل يذكرنا المشروع أيضا بالوقت الذي شعر فيه المبشرون البيض، مدعومين بتيار التوسع الإمبريالي، بأن من حقهم السفر إلى بلدان بعيدة وإخبار الناس أن إيمانهم وطريقة حياتهم كانت كلها خاطئة.

ومن المفارقات رؤية تقلص المسيحية في بريطانيا، حتى في الوقت الذي يستعد فيه مبشرو المنظمة لإرسال علبهم الصغيرة، حيث كشف مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة في شهر نوفمبر أن أقل من نصف سكان إنجلترا وويلز يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون للمرة الأولى.

ربما يكون من الأفضل لمنظمة السامري التبشير داخل البلاد، أو على الأقل فعل الخير من دون فرض معتقداتها على الآخرين.

 

جوناثان غورنال هو صحفي بريطاني، عمل سابقا مع صحيفة التايمز، وعاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الآن في المملكة المتحدة.