ماذا ستفعل الصين إذا انتصر بايدن على ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية؟

يون صن

AFP photo

على العكس من روسيا؛ تهتم الصين بانطباع العالم الخارجي عنها – وعلى الرغم من ذلك، وباعتراف الجميع، فإنها لا تُطبق تلك السياسة دومًا، وإنما تجاه دول معينة فقط، من بينهم الولايات المتحدة. ومن ثم حرصت الصين على تجنُّب المفاضلة بين دونالد ترامب وجو بايدن باعتبار ان أحدهما سيكون الرئيس الأمريكي القادم. مع ذلك، فعدم إعلان صناع السياسة عن موقفهم لا يعني أنه ليس لديهم أولويات خاصة، وهكذا سيكون الموقف أمام بايدن. ولا يعُد ذلك بمثابة مفاجأة لكن من المفيد إدراك مغزى هذا الأمر على الساحة السياسية.

وحتى بلوغ العام الحالي كانت الأفضلية بالنسبة لبكين تتمثّل في فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية. فقد كان يُنظر إلى الضرر الذي ألحقه ترامب بالريادة العالمية لأمريكا على أنه مُفيد للصين، فضلًا عن أن الصين لم تقتنع بأن ترامب قد انطلى عليه أمر المُنافسة بين الدُول العُظمى، وأنه في الواقع كان بمثابة المُتابع لقرارات الصقور المُناهضين للصين في إدارته. والواقع يقول أنه قبل العام الحالي، كان ترامب مترددًا حيال انتقاد الصين بسبب قضايا مثل شينجيانج وهونج كونج والتبت وتايوان. وفي المُقابل، كان يُنظر إلى ترامب على أنه رئيس عملي ينصبّ تركيزه على التجارة والعمل، وهو أمر استطاعت الصين أن تتقبله.

إلى أن تغيرت الأوضاع بشكل تام بعد ظهور فيروس كورونا (كوفيد-19). فعلى الرغم من موافقة بكين على تحمل مسؤولية سوء إدارتها خلال الأيام الأولى لانتشار الجائحة؛ إلا إنها تعتقد أيضًا أن الإخفاق الشامل للولايات المتحدة في التعامل مع المرض لا يقع على عاتق الصين. والواقع أن كل دولة تقريبًا قد ارتكبت بعض الهفوات، ومن ثمَّ تعتقد الصين أنه لا ينبغي انتقادها بالدرجة التي قام بها ترامب لمجرد أنها كانت الدولة الأولى التي يظهر بها الفيروس.

والواقع أن صُنَّاع السياسة في بكين قد انزعجوا من توبيخ الصين، الذي بلغ درجة لم تشهدها البلاد على مدار جيل كامل. وقد فوجئت الصين برد الفعل الذي تخطّى المنطق مثل ما حدث بشكل خاص في هونج كونج التي بالغت في ردة فعلها. وأبدى المسؤولون الصينيون الأكثر تعقلاً قلقهم من أنه، وللمرة الأولى منذ 40 عامًا، بات هناك تهديد حقيقي بوقوع صدام عسكري مع الولايات المتحدة، ولعله سيدور حول قضية تايوان أو بحر الصين الجنوبي، أما المسؤولون الصينيون الأكثر تهورًا، فقد أعلنوا عن ترحيبهم بتلك الفرصة التي قد تتحول إلى معركة دامية.

ولذلك، يأمل واضعو الخطط الأكثر رصانة في بكين أن تُؤدي الإدارة المُحتَمَلَة لبايدن إلى استقرار العلاقات. والواقع أنه منذ عهد الزعيم الصيني البارز دينج شياو بينج، كانت الأولوية بالنسبة للصين هي الاستقرار فيما يخص العلاقات الثنائية الرئيسية- على الرغم من المشكلات الرئيسية التي أعاقت تلك العلاقات بصورة عرضية، مثل ما حدث عقب أحداث ساحة تيان آن من، وبينما يرى البعض أن الرئيس شي جين بينج قد تخلّى عن تلك الأولوية، فواقع أن الصين ترفض بشدة مفهوم “الحرب الباردة الجديدة” وتصرّ على مزيد من التعاون في العلاقات بين واشنطن وبكين؛ يشير إلى تفضيل اتباع سياسة “الصعود السلمي” للصين، والتي لا تنطوي على صراع مع الولايات المتحدة.

ومن المُتَوَقَّع أن ينتهج بايدن، كرئيس للولايات المتحدة، سياسة يمكن التنبؤ بها، وأن يلتزم بقواعد الاشتباك فيما يخص العلاقات الدولية. وبناء على التكوين المتوقّع لفريق السياسة الخارجية الذي سيعتمد عليه بايدن؛ تعتقد الصين أنه سيكون بمثابة القائد الأمريكي “المُصلِح” الذي سيتبع سياسة متعددة الأطراف وعالمية التي انتهجها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما خلال سنوات حكمه– والواقع أنها كانت نفس السياسة التي انتهجها الرؤساء الجمهوريين السابقين.

والعودة إلى ما يعتقد الصينيون أنه عادة “الهيمنة الليبرالية” للسياسة الخارجية الأمريكية؛ وهو المبدأ الذي تدعمه نخبة السياسة الخارجية الأمريكية، خلافًا للسياسة غير التقليدية التي يتبعها مستشارو ترامب، من شأنه أن يدعم آليات التجارة متعددة الأطراف مثل الشراكة العابرة للمحيط الهادئ ومنظمة التجارة العالمية. وبينما اتبعت إدارة ترامب استراتيجية الخروج من فلك المنظمات والاتفاقيات الدولية – تلك الاستراتيجية الانعزالية التي كانت إدارة ترامب تفخر بها – تتوقع الصين من بايدن العودة للالتزام بالمحافل الدولية متعددة الأطراف.

وهذا يعني أن بايدن سيكون أمامه قائمة طويلة من القضايا التي ستجعل من التعاون مع الصين أمر حتمي بالنسبة للولايات المتحدة – مثل قضايا التغير المناخي وكوريا الشمالية وإيران والحوكمة العالمية. وبمجرد عودة تلك القضايا إلى صدارة الأولويات، ستُتاح للصين قُدرة أكبر على مواجهة السياسات الأمريكية أو تحقيق توازن معها في المجالات الأخرى من خلال “الربط بين القضايا”، أو بعبارة أُخرى، المُقايضة وفقًا للطريقة القديمة التي تعتمد على تبادل المصالح.

ومع ذلك، فليس بالضرورة أن تكون نظرة الصين إلى بايدن إيجابية تمامًا؛ فهُم يتوقعون أن يعيد بايدن إلى الصين التحديات التي عمد ترامب إلى تجاهُلها بصورة أو بأخرى. ومن المتوقّع أن يتجنّب بايدن سياسة العمل بمفرده، وأنه سيعتمد على نهج جماعي وائتلافي لمواجهة التهديدات التي تأتي من الصين- ولعل أكثرها وضوحًا هي الشكوك التي تحوم حول (مبادرة الحزام والطريق) وكذا فخ الديون الصينية في أفريقيا.

وهكذا، فعلى الرغم من أن عقيدة “أمريكا أولًا” التي اعتمدها ترامب خلال السنوات الثلاث الأولى من رئاسته قد أتاحت الفرصة أمام الصين للتوسع وترسيخ نفوذها، خاصة في شرق آسيا، إلا أن هذ الأمر قد ينتهي قريبًا. وتستطيع واشنطن أن تُرغم بكين على العزلة في مناطق مختلفة بالعالم من خلال إصلاح العلاقات الأمريكية مع حلفائها وإعادة التأكيد على التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، فقد تواجه الصين تحالفًا مُوسعًا ومناهضًا لها ليس فقط على الساحة العسكرية لكن أيضًا فيما يخص السياسة والاقتصاد والإطار الإقليمي والقواعد والمعايير.

وقد استثمرت الصين الكثير في الشرق الأوسط على الرغم من أن تلك المنطقة لا تقع في مجال التركيز الأساسي للصينيين –وهو ما تطلق عليه بكين “المحيط الخارجي الكبير”- ولكنها فعلت ذلك لتأمين احتياجاتها من الطاقة وزيادة حجم تجارتها، ولكن ربما تضيق بها هذه المنطقة.

علاوة على ذلك، من المُتوقّع أيضًا أن يستأنف بايدن، في حالة توليه منصب الرئيس، سياسة الحزب الديمقراطي طويلة المدى في انتقاد السياسة الداخلية للصين وسِجِلها في مجال حقوق الإنسان، وهي المسائل التي تجنبها ترامب خلال السنوات الثلاث الأولى من رئاسته، ومن المُرجَّح أن تُصبح تلك الانتقادات أكثر قوة وإقناعًا في ظل إدارة بايدن.

وبعد ذلك، يأتي الدور على خطرين رئيسيين وهما: ماذا لو ثبت أن سياسة بايدن لا تختلف عن سياسة سلفه؟، وماذا يحدث لو كان إجماع الحزبين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن ضد الصين من القوة التي يعجز بايدن عن تغيير أي شيء إزاءها؟ وهذا هو ما يدفع بصقور الحرب في الصين إلى القول بأنه على بكين أن تستمر في الاستعداد للحرب. ويكمن الخطر الثاني في النبوءة التي تحقق ذاتها – إذا لم يتوقع أيٌ من الطرفين وجود تغيير في موقف الطرف الآخر، حينئذ فإن أي تفاعل سياسي بين إدارة بايدن والصين سيبدأ في ظل مناخ من انعدام الثقة والعداء والأعمال الانتقامية المُتبادَلة.

ومع ذلك، فقد تطورت التوصيات السياسية في بكين طوال فترة الصيف وحتى بداية فصل الخريف تحسُبًا لفوز بايدن. وعلى أقل التقديرات، فهناك اعتقاد بأن العلاقات الصينية الأمريكية لن تزداد سوءًا. ولا يصل أمل واضعي الخُطط الأكثر عقلانية لدرجة عودة الأمور إلى حقبة ما قبل ترامب، لكنهم يأملون في إعادة تحديد تلك العلاقات على النحو الذي يوفر الوقت والمساحة اللازمين للمحاورين السياسيين لإيجاد حالة من التوازن بين واشنطن وبكين. والآن، دعونا نرى من سيفوز بتلك الانتخابات في الأسبوع المُقبل.

يون صن، مدير برنامج الصين، والمدير المشارك لبرنامج شرق آسيا في مركزستيمسونفي واشنطن العاصمة.