إهتمام الصين المتصاعد بأرامكو السعودية يعُد جزءًا من لعبة طويلة الأمد

جوزيف دانا

AFP photo: Fayez Nureldine

أكبر شركة تحقيقًا للأرباح على مستوى العالم، أرامكو السعودية، في طريقها لتصبح شركة عامة، وتداعيات تلك العملية يمكن رؤيتها في الأماكن الغير عادية مثل الصين، التي ترى تجارة النفط على أنها فرصة لتحدّي التفوق الأمريكي في مجال التجارة الدولية.

وبعد أشهُر سرت خلالها التخمينات، أعلنت شركة النفط السعودية الحكومية رسميًا، عن خطتها هذا الشهر كي تصبح شركة عامة، وخلال العام الماضي، حققت الشركة أرباحًا بلغت 111 مليار دولار، والسعر الذي تم تحديده في النهاية بالنسبة للطرح العام الأولي للشركة بلغ 1.7 تريليون دولار، وعملية الطرح العام الأولي للشركة تعُد مسألة حساسة بالنسبة لخطط وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، الخاصة بتطوير الاقتصاد عبر مجموعة كبيرة من المبادرات، التي تشتمل على إنشاء مدينةالمستقبلفي الصحراء السعودية، بالإضافة إلى الاستثمارات في مجال الصناعات المستقبلية، اللازمة لتأسيس اقتصاد قائم على المعرفة.

والواقع أن المقدمات التي سبقت ما يُطلق عليها، أكبر عملية اكتتاب في التاريخ، أدّت إلى تسليط الضوء على مركز الشركة بالنسبة للاقتصاد العالميليس بسبب الأرباح التي تجنيها الشركة، وإنما بسبب هوية المهتمين بالاستثمار في الشركة ولماذا هم مهتمون بذلك، وهل يستغل المستثمرين الدوليين شركة أرامكو، من أجل إحداث تغييرات كبرى في منظومة العملة الدولية؟، يبدو أن الصين مقتنعة بتلك الفكرة.

وقبيل الإعلان عن عملية الطرح العام، كانت هناك تقارير تتحدث عن أن الصين تأخذ بعين الاعتبار، الحصول على النصيب الأبرز في الشركة، وهناك كيانات حكومية صينية مملوكة للدولة، تعمل في إطار صندوق طريق الحرير، وبدأت مباحثات من أجل استثمار مبلغ يتراوح بين 5 و10 مليار دولار في عملية اكتتاب شركة أرامكو، وطالما كان الأمير محمد بن سلمان منفتحًا بالنسبة لمسألة حصول الاستثمارات الأجنبية على أنصبة كبرى في شركة أرامكو، لكن تورط الصين في عملية اكتتاب شركة أرامكو، له تعقيدات جيوسياسية خاصة، لا تظهر إلى السطح.

وقبل وقت طويل من قدوم دونالد ترمب إلى السُلطة، وبدء حربه التجارية مع بيجين، كانت الصين تثير ضجة حول مسألة تحدّي سيطرة الدولار، باعتباره العملة الأولى في العالم، وهذا سوف يجعل الصين أكثر سيطرة على اقتصادها، كما يساعدها على تنفيذ المشروعات الاقتصادية على المدى الطويل، التي تم التخطيط لها من أجل تحدّي الولايات المتحدة، بوصفها القوة الاقتصادية الأولى على مستوى العالم، لكن الحديث عن القضاء على الدولار هو أمر سهل، لكن تحقيق ذلك ليس بتلك السهولة.

وعبر تنفيذ مشروعات البنية التحتية في العالم النامي؛ قامت الصين بتوسيع نفوذها الاقتصادي، للدرجة التي جعلت بوصلة التجارة الدولية تتحول من الغرب إلى الصين. وعلى سبيل المثال، هناكمبادرة الحزام والطريقالطموحة، التي تعتمد على العديد من المؤسسات المالية الصينية، مثلصندوق طريق الحرير، الذي توسّع في الإقراض ليشمل كيانات تمتد من أفريقيا إلى وسط آسيا، وبعض تلك الأموال يُنفق في مشروعات البنية التحتية، التي عادة ما تقوم بها شركات صينية، وهو ما أدّى بصورة حتمية، إلى أن أصبحت بعض الدول الأكثر فقرًا غارقة في الديون المستحقة لبيجين.

والطرح العام لشركة أرامكو يوفر فرصة للصين، كي يكون لها موطأ قدم في القلب من صناعة النفط العالمية، ويمكن القول أن النفط هو أهم سلعة يتم تداولها بالدولار، ومسألة تعطيل العمل بمنظومة بيع برميل النفط بالدولار؛ سيكون لها تبعات هامة، فيما يتعلق بخطط الصين كي تشارك (أو تحل محل) الدولار، بصفته عملة التجارة الدولية، والواقع أن حصول الصين على نصيب في أكبر شركة للنفط على مستوى العالم، من شأنه أن يعطي بيجين القوة، للتأثير في عملية التبادل التجاري لتلك السلعة، وفي الوقت ذاته، فإن الصينيين من الممكن أن يقوموا بلعب دور الممولين المحتملين، لخطط التحول التي يرمي لتنفيذها وليّ العهد السعودي.

لكن لنكن واضحين: فإن الرنمينبي، لا يمكن له أن يحل محل الدولار بصفته عملة التجارة الدولية، كما أن المملكة العربية السعودية لن تغامر بالدخول في مواجهة كبرى مع الحليف الأهم لديها؛ الولايات المتحدة الأمريكية، وأن توافق على المطالب الصينية بأن يصبح الرنمينبي هو العملة الخاصة بسوق تجارة النفط.

علاوة على ذلك، حينما يأتي الأمر إلى احتياطيات العملات الدولية، الموجودة في البنوك المركزية، فإن الدولار هو الأول بلا منازع، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فإنه خلال العام 2017 كان الرنمينبي يمثل نسبة بسيطة، من احتياطيات العملات المخصصة للتبادل الأجنبي، بينما أشارت صحيفة فاينانشيال تايمز إلى أن أكثر من 60% من احتياطي العملات على مستوى العالم، يتم الاحتفاظ به بالدولار الأمريكي، وعلى الرغم من أن الصين قد فاقت الولايات المتحدة، فيما يخص إجمالي واردات النفط الخام في العام 2017، فإن بيجين لم تنجح في إقناع كبرى الدول المنتجة للنفط، بالإقدام على تلك الخطوة الحاسمة، حول إعادة تشكيل تجارة النفط والتوقف عن التبادل التجاري بالدولار.

لكن العلامات بدأت في الظهور، وفي وقت مبكر من العام الحالي، هددت المملكة العربية السعودية، ببيع نفطها بعملات أخرى بخلاف الدولار، إذا ما قامت الولايات المتحدة بالمصادقة على تشريع، يسمح بإخضاع الدول أعضاء منظمة أوبيك للقوانين الأمريكية لمكافحة الاحتكار، ولم يحدث أبدًا أن كان رد فعل الرياض تجاه واشنطن بتلك الحدة، ولم يدخل هذا التشريع حيز التنفيذ أبدًا، لكن لو قامت المملكة العربية السعودية بالتخلص من الدولار، فإن مركز الدولار بوصفه العملة الأولى على مستوى العالم فيما يخص التجارة الدولية والاحتياطيات النقدية، سيتم تقويضه بصورة شديدة، كما سيؤدي إلى إضعاف السيطرة الأمريكية في مجال التجارة الدولية.

والصين أيضًا تلعب لعبة طويلة الأمد، وعبر ضخ استثمارات متنوعة في منطقة الخليج؛ فإن الصينيين يهدفون في المقام الأول إلى تأمين وصولهم إلى النفط، وفي ظل الحرب التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة والصين، فأغلب الظن أن الصين لن تغامر بتصعيد الموقف بصورة خطيرة مع واشنطن، عبر استخدام النفوذ الصيني لتغيير الوضع الراهن، والبحث عن تغيير شكل تجارة النفط في منطقة الخليج العربي، لكن الصين أعلنت بوضوح أنها تريد أن يصبح الرنمينبي عملة التجارة الدولية، كما أنها تعمل على تقوية العلاقات مع الدول المنتجة للنفط، من منطقة الخليج العربي وحتى روسيا.

والهدف واضح: الصين تدفع باتجاه التغيير، لكنها تنتظر حتى يحين الوقت المناسب، وكما أن الصينيين يريدون استغلال اكتتاب أرامكو لتنفيذ هذا الهدف، فالواقع يقول أن الصين اعتادت على استخدام هذا الأسلوب، ومع ذلك، فإن اللحظة حين تأتي، فإن الصين ستكون مستعدة بكل تأكيد.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.