لن ينحسر النفوذ الصيني في منطقة شمال إفريقيا في القريب العاجل

سارة يركس

AFP photo: Fayez Nureldine

وطدت الصين تواجدها في شمال إفريقيا خلال العقد الماضي، وبينما تبقى أوروبا الشريك الاقتصادي الأساسي لشمال إفريقيا، إلا إن الصين استفادت من تراجع النفوذ الغربي في المنطقة، حتى إن استيلاء الرئيس التونسي مؤخرًا على السلطة وانتزاعها من البرلمان ورئيس الوزراء التونسي لم يحدث رد فعل يذكر من الجانب الأوروبي. إن نهج الصين الذي لا يتدخل في السياسات الداخلية، على عكس النهج الأمريكي والأوروبي الذي يركز على حقوق الإنسان والحكم الرشيد، يجعلها شريكًا مميزا لقادة شمال إفريقيا. وفي الوقت نفسه، فإن الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة، كونها تقع على مفترق طرق ما بين إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب البحر الأبيض المتوسط، تجعلها منطقة مهمة لأجندة الصين التوسعية، ولكن لا يقدم أي من ذلك أي فائدة تذكر لسكان المنطقة.

وتنتهج بكين نموذجًا تنمويًا في المنطقة يجده قادة المنطقة جاذبا، وخاصة هؤلاء القادة الذي يزداد نفورهم من النمط الغربي الديموقراطي، وهو نموذج يزاوج بين الفوائد الاقتصادية والسُلطوية، ولكن حتى تلك الفوائد الاقتصادية قد تتلاشى قبل وصولها إلى قاعدة الهرم أو إلى عامة الشعب. بالإضافة إلى ذلك، تم انتقاد الاستثمارات الصينية في مناطق أخرى لأنها خلقت شكلاً من أشكال الاعتماد على الدين، والتي لا تستطيع دول شمال إفريقيا تحمله، بسبب معاناتها من تراكم الديون.

ولا يوجد جانب يعكس اهتمام الصين بشمال إفريقيا أكثر من مبادرة الحزام والطريق الرئيسية، فقد وقعت الصين على اتفاقيات مبادرة الحزام والطريق مع كل دولة من دول شمال إفريقيا، وتشمل مبادرة الحزام والطريق على مجموعة متنوعة من المجالات، بما في ذلك تطوير البنية التحتية والمساعدة الفنية والشراكات الثقافية وتيسير التجارة، كما تحرص الصين على الحصول على حصة من النفط والغاز الجزائري والليبي.

وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول للجزائر في عام 2013، متجاوزة فرنسا، ولكن لاحظ المحللون إنه لم تكن هناك فائدة تذكر من الاهتمام الصيني المتزايد، حيث تمول الجزائر معظم مشاريع التنمية، بينما ترسل الصين إلى الجزائر قدرا قليلا من التكنولوجيا أو الخبرات.

وفي الجانب الآخر، عززت كل من المغرب وتونس تجارتهما مع الصين، حيث تحتل الصين الآن المرتبة الثالثة في كلا البلدين، بعد فرنسا وإسبانيا. وكان للصين تواجد كبير في ليبيا، في بداية الانتفاضة في عام 2011، حيث أدارت حوالي 75 شركة و50 مشروعًا للبنية التحتية، واستعانت بأكثر من 36000 عاملا صينيا وعقود بقيمة 20 مليار دولار تقريباً، وفي حين إن الحرب الأهلية وقفت حجر عثرة أمام الكثير من الأنشطة الاستثمارية الصينية، لكن بكين أظهرت حرصها على المساعدة في تطوير البنية التحتية في فترة ما بعد الحرب.

وفي حين كانت استثمارات الصين في مبادرة الحزام والطريق ضخمة، إلا أن الجزء الأكبر من اهتمام الصين في المنطقة كان في الواقع متمركزا على القوة الناعمة، فعلى الصعيد الدبلوماسي، استفادت دول شمال إفريقيا من منتديين إقليميين وهما، منتدى التعاون الصيني العربي الذي تأسس في عام 2004 ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي الذي تأسس في عام 2006. ويسمح كل منتدى من تلك المنتديات لمسؤولي شمال إفريقيا بالمشاركة في حوار منتظم ورفيع المستوى مع المسؤولين الصينيين. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع الصين بشراكة إستراتيجية شاملة مع الجزائر منذ عام 2014 وشراكة إستراتيجية مع المغرب منذ عام 2016، ومن خلال تلك الشراكات، تمكنت الصين من تحقيق “توازن ناعم” ضد الغرب وروسيا.

وفي مجال التعليم، أصبحت شمال إفريقيا موطن لأربعة معاهد كونفوشيوسية، ثلاثة في المغرب وواحد في تونس، بالإضافة إلى فصل دراسي لكونفوشيوس في تونس، كما تم تصميم المعاهد للترويج للغة والثقافة الصينية، ولكن تم انتقادها لترويجها للدعاية الصينية وتلاعبها بالحريات الأكاديمية.

وتعتبر السياحة أداة مهمة أخرى للقوة الناعمة الصينية، حيث خفف كل من المغرب وتونس من قيود التأشيرات على السياح الصينيين على مدى السنوات العديدة الماضية، مما زاد من عدد السياح الصينيين، وقفز أعداد السائحين الصينيين في تونس من 8000 سائحا في عام 2016 إلى 20000 سائحا في عام 2017، واستضاف المغرب 43000 سائحا صينيا في عام 2016، وخمسة أضعاف ذلك العدد في عام 2019.

وفي حين إن القوة الناعمة لا تزال المجال المهيمن لتدخلات الصين في المنطقة، إلا إن هناك العديد من المشاريع العملية والواقعية أيضًا، فقد أدى استثمار الصين في الكابلات البحرية (مثل كابل هانيبال بين تونس وإيطاليا والكابل بين ليبيا واليونان) إلى توفير البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية الهامة في المنطقة.

ولكن هناك مخاوف من استخدام التكنولوجيا الصينية كباب خلفي لأجهزة الأمن والعمليات الحكومية في دول شمال إفريقيا، فلم يعد استخدام تقنية التجسس الخاصة بشركة هواوي الصينية سراً، حيث أفادت الأنباء أن الجزائر استخدمت تقنية التجسس الخاصة بشركة هواوي.

وشمال إفريقيا، وتحديدا الجزائر، هي أيضًا وجهة رئيسية لصادرات الأسلحة الصينية، فبين عامي 2010 و2020، استقبلت الجزائر وحدها ما يقرب من 30 في المئة من مبيعات الأسلحة الصينية إلى قارة إفريقيا، بينما لا يزال المغرب يشتري الجزء الأكبر من أسلحته من الولايات المتحدة، إلا إن الصين تعمل على توسيع تعاونها العسكري معه. كما تعمل بكين على توطيد العلاقات مع تونس، وبعد اللقاء الذي جمع بين وزيري الدفاع الصيني ونظيره التونسي في عام 2019، قال البلدان إنهما يرغبان في تعزيز التعاون العسكري بينهما. وفي هذا الصدد، ستشعر بكين بالامتنان من ردة الفعل الأمريكية الصامتة تجاه فرض الرئيس قيس سعيد حالة الطوارئ في البلاد.

ولكن ما الذي تجنيه شعوب شمال إفريقيا من عمل حكوماتها بالشراكة مع الصين؟ فمن المؤكد أن الصين لا تعمل في مجال تعزيز أو حتى الترحيب بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية اللازمة لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي طويل المدى الذي من شأنه تحسين الحياة اليومية لسكان شمال إفريقيا، كما لا تجلب استثمارات الصين العديد من الوظائف، حيث تفضل الشركات الصينية عادة استقدام عمال صينيين، وقد تكون السياحة هي الفائدة الوحيدة في هذا الجانب، على الرغم من أنه من المستحيل تحديد المدة التي قد يستغرقها التعافي من جائحة كوفيد-1. وإجمالاً، يبدو إن المستفيد من العمل المشترك ما بين الصين وشمال إفريقيا هو الجانب الصيني.

والأفضل لشمال أفريقيا هو إعادة الالتزام الأمريكي الأوربي للمنطقة، وهو الأمر الذي قد يوفر حوافز ملموسة لمساعدات التنمية المرهونة بالإصلاحات السياسية، ولكن مع تركيز الحكومات الغربية على خطط الإنفاق المحلي الخاصة بها وعلى التعافي من فيروس كورونا، فمن المرجح إن التواصل والتمويل الصيني المستمر سيرسخ النفوذ الصيني في المنطقة على المدى المنظور.